شمس لاتغيب؛ حقيقة الفتن في الأمة الإسلامية
الحلقة الرابعة والعشرون:
الفتن في الأمة الإسلامية: من الفساد إلى العدل الإلهي
ننطلق في هذا الحديث المبارك من محكم التنزيل، وبالتحديد من سورة الإسراء، حيثُ يُنبّهنا الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ” (الإسراء: 4). هذه الآية تحمل في طياتها إشارةً بالغةَ الأهمية إلى دورة الفساد والفتن التي تشهدها الأرض على مر العصور. وفي سياق تاريخ الأمة الإسلامية، نرى أنّ هذه الفتن في الأمة الإسلامية قد تجلّت بفسادَين عظيمين، ويُعتقد أنّ الفساد الأول منهما كان في المراحل الأولى التي تَلَتْ رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي فترة شهدت تحوّلاً جوهرياً ومؤلماً في مسار الخلافة الشرعية.
إنّ هذه البداية تُظهر لنا أنّ أصل كل فساد وفتنة يكمن في ابتعاد الأمة عن القيادة الإلهية المنصوبة، واللجوء إلى قيادات لم تُنتسب إلى مقام رسول الله الحقيقي. ومن هنا، وجب علينا التحرير الدقيق لمفهوم الخلافة.
الخلافة الحقة وأزمة القيادة بعد الرسول
- حقيقة الخليفة الشرعي:
إنّ مفهوم “الخليفة” قد أسيءَ فهمه وتطبيقه، إذ يعتقد البعض أنّ أيّ حاكم، سواء كان شيعياً أو عادلاً أو علمانياً، يمكن أن يُمثّل مقام خليفة رسول الله. ولكن يجب أن نؤكّد أنّ الخليفة يجب أن يكون منتسباً إلى المقام النبوي، ويحمل العصمة والولاية الإلهية. إنّ مَن تولّوا أمر الحكم بعد رسول الله – كأبي بكر وعمر – كانت ولايتهم تحمل إشكالات عميقة تتعلّق بشرعية القيادة.
- الإمام المهدي (عج) عقيدة لا اجتهاد ظنّي:
إنّ ما جعل هذا الفساد يتكرّر ويتجذّر هو أنّ جزءاً من الإشكالية يعود إلى أنّ بعض العلماء اليوم يرى أنّ الحديث عن الإمام المهدي عليه السلام هو مجرّد اجتهاد ظنّي، ولا يرتبط بأصول مذهب الأئمة الاثني عشر. ونحنُ نُشدّد على أنّ الإيمان بالإمام المهدي عليه السلام ليس اجتهاداً فقهياً يُصار إليه أو يُترك، بل هو عقيدة ثابتة وراسخة في أصول مذهبنا، وأساسٌ لاكتمال مفهوم القيادة الإلهية التي تُزيل الفتن في الأمة الإسلامية.
مقام العلماء في الغيبة الكبرى
- دور العلماء كخلفاء فقهيين:
في زمن الغيبة الكبرى، يقوم علماء الشيعة الأجلاء، بجهودهم الاجتهادية العظيمة، بنقل علوم أهل البيت عليهم السلام وشرح الأحكام الشرعية للمجتمع. لذا، فإنّ مكانة مراجع التقليد لدينا هي مكانة رفيعة؛ فهم يحملون أمانة الدين بكل جدية. ولكن من الأهمية بمكان التذكير بأن الإمام المهدي عليه السلام هو الحاكم الشرعي المنصوب إلهياً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن لأي عالم أن يحلّ محلّه في مقام الإمامة.
- الفرق بين مقام الإمام والفقيه:
إنّ هؤلاء العلماء، الذين يملكون اجتهاداً حقيقياً ويعملون بما أُوتوا من علم لنقل أحكام الدين، هم خلفاء للإمام المهدي عليه السلام في زمن غيبته، بمعنى أنهم وكلاء عنه في إدارة الشأن الديني وإصدار الفتاوى، ولكنهم ليسوا خلفاء في مستوى مقام الإمام المعصوم. إنهم مجتهدون، مهمتهم فقهية بحتة، وهي تفسير وتوضيح النصوص التي ورثوها عن آل البيت عليهم السلام، وليس لهم ادّعاء بالاتصال المباشر بالإمام.
وعد الله بالرد على الفساد وبشارة النصر
- عقاب الخارجين على الإمام:
ننتقل إلى القسم الثاني من وعد الله، وهو الردّ الإلهي على الخروج والفساد: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا” (الإسراء: 5). هذا الوعد يشير إلى عقاب شديد للمتسببين في الفتن في الأمة الإسلامية والخارجين على إمام زمانهم، مثلما تجسّد في معركة الجمل ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وقد وصف الله سبحانه وتعالى ناصري الإمام بأنهم “أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ”، وحقق الله وعده بالنصر.
- وعد التمكين ونفير كربلاء المستمر:
ويأتي بعدها وعد التمكين والانتصار: “وَرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَمَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَآمَنَّاكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ” (الإسراء: 6). هذا النصر تحقق للمؤمنين في محاربة بني أمية وأعداء أهل البيت، وكان هذا المدد نتيجة للثبات والمواقف الصادقة في كربلاء، وتأكيداً لقوله تعالى: “وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا”. إنّ هذا النفير مستمر، حتى أنصار الإمام المهدي عليه السلام يُعدّون أنفسهم امتداداً لهذه الحركة الإلهية التي خرجت ضد الظلم.
النتيجة
يختتم القرآن بوعد النصر النهائي: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيَتَبَرَّؤُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا”. هذا الفتح الأخير سيكون على يد الإمام المهدي عليه السلام، حيث يُعيد العزة للمسلمين ويُطهّر المسجد الحرام. إنّ هذه القوة ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة للرحمة الإلهية كما في قوله تعالى: “وَيَفْعَلُونَ ذَٰلِكَ لِيَرْحَمَ فَاطِمَةَ”، لأن فاطمة الزهراء عليها السلام هي رمز الحق والعدالة. وفي الختام، نقول لأعداء الحق: إن عدتم إلى ظلمكم، سنعود بالقائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليظهر الله الحق ويهزم الباطل إلى الأبد.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”