صفات الإمام المهدي القائم بالحق، ومعنى كونه الطريد الشريد الموتور بأبيه

شمس لاتغيب؛ الإمام المهدي القائم بالحق؛ الحلقة 84

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ الإمام المهدي القائم بالحق

الحلقة الرابعة والثمانون:

إحياء الأرض وبشارة الإمام الحسين عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، وبعد: يقول جدي الإمام الحسين عليه السلام في حديثٍ يختصر مسيرة الوجود: «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيّاً، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الإمام المهدي القائم بالحق، يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَيُظْهِرُ بِهِ دِينَ الْحَقِّ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ». إن هذا النص ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو دستور إلهي يكشف لنا عظمة الدور الذي ينتظر البشرية.

أيها الإخوة، عندما نتأمل في وصف “الإمام المهدي القائم بالحق“، ندرك أن هناك من قد يقوم، ولكن قيامه لا يكون بالحق المطلق أو بأمر الله المحكم، أما هذا الإمام فوصفه “بالقائم” يعني الدوام والبقاء؛ لأنه قائم بإرادة الله التي لا تُغلب ولا تُقهر. إن الكلمة الجوهرية التي يجب أن نتوقف عندها هي “إحياء الأرض بَعْدَ مَوْتِها”؛ فالإمام عليه السلام ينبهنا إلى حقيقة كبرى ومؤلمة في آنٍ واحد، وهي أن الأرض الآن وقبل قيامه هي أرض “ميتة”، وهذا الموت ليس بانتهاء البيولوجيا، بل بفقدان الأثر الباقي الذي يربط الأرض بالسماء.

 

سيادة دين الحق ونقد القوانين الوضعية

  • معنى مشية أمير المؤمنين في الحياة:
    إن ظهور دين الحق على الدين كله لا يعني مجرد الانتصار العسكري، بل هو غلبة “المشية” الإلهية على مشية البشر؛ فالبشر اليوم يسيرون في مأكلهم ومشربهم وزواجهم وتعليمهم وفق قوانين وضعية صاغتها عقول ناقصة، ولكن حين يظهر الإمام المهدي القائم بالحق، ستغلب مشية أمير المؤمنين أبي الحسن (ع) كل الطرق والنظريات البشرية، وسيدرك الخلق أن السعادة تكمن في اتباع نهج أهل بيت النبوة في كل تفاصيل الحياة اليومية.

  • نقد الشرك الخفي والنظريات البشرية:
    إن “المشركين” الذين ذكرهم النص القرآني والحديث الشريف ليسوا فقط عبدة الأصنام، بل هم أصحاب النظريات والآراء الجامعية والتجارب البشرية التي أشركت عقولها مع وحي السماء؛ هؤلاء الذين ارتعوا ألا يأخذوا عن الله تعالى وعن التنزيل، فشرعوا لأنفسهم قوانين في الطب الوقائي والاجتماع والسياسة، متجاهلين برنامج السماء الذي يحمي الإنسان من المرض والشقاء، وهذا هو الشرك الخفي الذي جعل البشرية تتخبط في دياجير الظلم بعيداً عن هدى علي بن أبي طالب.

  • الطب الوقائي وبرنامج السماء:
    انظروا إلى برنامج الصيام وقلة الأكل وأوقات الطعام التي شرعها الله؛ إنها الطب الوقائي الحقيقي الذي كان يحمي الناس في زمن رسول الله، ولكن النظريات الحديثة أهملت هذا البرنامج الإلهي، وسوف يظهر الإمام المهدي القائم بالحق ليعيد هذه الموازين الإلهية إلى الأرض، فتغلب طريقته كل النظريات رغم كره أصحاب المصالح الذين أشركوا مع طريقة الله طرائق بشرية قاصرة.

 

الثبات في عصر الغيبة ومواجهة الفتن

  • ضريبة الغيبة والارتداد عن الدين:
    لقد أخبرنا الإمام الحسين عليه السلام أن لهذه الغيبة ضريبة ثقيلة، وهي ارتداد أقوام وثبات آخرين على الحق؛ فنحن الآن في أشد مراحل الامتحان الإلهي، والسؤال هو: كيف نثبت وديننا وإمامنا غائب؟ إن غيبة الإمام المهدي القائم بالحق هي غيبة “شخص” لا غيبة “أفعال”، فأفعاله وتجلياته حاضرة في كل لحظة، فهو واسطة الفيض الإلهي التي لا تنقطع عن العالم، وثباتنا يكمن في تمسكنا بأفعاله وأخلاقه.

  • التخلق بصفات الله وتجليات الإمام:
    إننا ورثنا الأسماء الحسنى وتجليات الله في الأرض، ويجب علينا أن نتعلم منها الحلم في مواضع العجلة، والقوة في إعانة الضعيف، والمروءة في استدراك ما ضاع في الشباب؛ فمن صفات الإمام المهدي القائم بالحق العفو عن من ظلم، وهذا هو الدين الحقيقي الذي يجب أن نتعلمه ونطبقه لكي نكون من الثابتين، فالارتباط بالإمام ليس مجرد انتظار سلبي، بل هو تخلق بأخلاقه الربانية في زمن الغيبة المظلم.

  • الأخذ بالأمر الأول ونبذ الفتن:
    إن الميزان الحقيقي للثبات في هذا الزمان هو “الأخذ بالأمر الأول”، والمقصود به سيرة الآباء الطاهرين من الحسن العسكري إلى السجاد عليهم السلام، ولكننا نرى اليوم فتنة تنخر في مجتمعنا، حيث ينفون “التقليد” الذي هو سيرة المتشرعة الراسخة؛ إن هذا النفي هو نوع من الارتداد عن دين الأولين، فالناس منذ القدم كانوا يقلدون المتعلمين ويأخذون عنهم، ومن يحاول الخروج عن هذا الميزان فقد عرض نفسه للتيه والضلال.

 

حقيقة الطريد الشريد الموتور بأبيه

  • الموتور بأبيه وثأر الأنبياء:
    عندما سُئل الإمام الحسين (ع) إن كان هو صاحب الأمر، أجاب بوصفٍ يهز الوجدان: “لا، ولكن صاحب هذا الأمر هو الطريد الشريد الموتور بأبيه“؛ والموتور هو من قُتل والده ولم يُؤخذ ثأره، والقتل هنا ليس مجرد قتل جسدي، بل هو قتل لمشروع الله علی الأرض، فمنذ مقتل أمير المؤمنين وسُمّ الإمام العسكري، لم يقم حكم الله الذي يقتص من الجناة استئصالاً حقيقياً، والإمام المهدي القائم بالحق هو الذي سينهي هذه الحالة ويأخذ الثأر الإلهي.

  • الشريد وكثرة التشريد في الأرض:
    إن وصف “الشريد” هو صيغة مبالغة تدل على كثرة التشريد، فالإمام لا يجد مستقراً في مدينة والده بسبب تضييق الظلمة، وهو ينتقل من مكان إلى آخر خشية افتضاح أمره؛ هذا التشريد يعكس غربة الحق في عالم مليء بالجور، فصاحب الأمر لا يجد له مأوى في قلوب الحكام ولا في عواصمهم، بل هو شريد يبحث عن القلوب المؤمنة التي تحفظ سره وتنتظر أمره.

  • الطريد وملاحقة حكام الجور:
    أما “الطريد” فهو المطلوب من قبل كل الحكام، فمنذ غيبة الإمام وإلى يومنا هذا، وكل حاكم يرى في هذا المنقذ خطراً على كرسيه ونظامه؛ لأن الإمام المهدي القائم بالحق لا يدخل في بيعة أحد، ولا يداهن، ولا يصالح على حساب الحق، فهو مطلوب لأنه يرفض قوانينهم الوضعية ويسعى لإقامة حدود الله التي تعطلت في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الطرد هو علامة صدق مشروعه الإلهي.

 

نقد الوطنية والأنظمة المعطلة لحدود الله

  • الوطنية كمشروع لمواجهة الإمام:
    أيها الناس، احذروا من مصطلح “الوطنية” حين يُستخدم لإقصاء مشروع الإمام العالمي؛ فـ الوطنية التي تعني الانغلاق داخل حدود صنعها الاستعمار هي عائق أمام مشروع أخذ ثار الحسين، فقتلة الحسين وفكرهم الأموي موجودون في كل بقاع الأرض؛ في تركيا وروسيا وأوروبا والعرب، والإمام المهدي القائم بالحق سيثور على كل هذه التقسيمات القبلية والعشائرية ليقيم حكومة القرآن الموحدة.

  • تعطيل حدود الله في الدول الحديثة:
    إننا نرى اليوم دولاً تتفاخر بالأمن والاستقرار، ولكننا نجد فيها حدود الله معطلة، وحرمة شهر رمضان منتهكة، وصلوات الجمعة مهملة، والعدل والتقوى فيها مغيبان؛ إن مدح هذه الحكومات هو نوع من الشرك، لأنها أقامت أحكام التوراة والإنجيل المحرف أو الديمقراطية الحديثة بدلاً من سنن النبي، والإمام المهدي ثائر على كل هذه الأنظمة التي طردت روح القرآن من دساتيرها.

  • العلماء والتقية في ظل الحكام:
    إن العلماء اليوم يعيشون في ظل الحكومات، والعديد منهم يعذرون أنفسهم بـ “التقية” لعجزهم عن إقامة الحدود في ظل قوانين السجون والمحاكم الوضعية؛ ولكن حال الإمام المهدي القائم بالحق يختلف، فهو لا يقبل بغير حكم الله الصافي، وما دام الظلم مستشرياً في المواريث وفي اضطهاد الأرحام، فاعلموا أن المهدي لم يظهر بعد، لأن من علامات ظهوره أن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

 

النتيجة

إن انتظار الإمام المهدي القائم بالحق يتطلب منا يقظة باطنية وثباتاً على “الأمر الأول” في وجه أعاصير الفتن والنظريات البشرية القاصرة. يجب أن ندرك أن صفات “الطريد والشريد” ليست مجرد مظلومية، بل هي رفض قاطع للاندماج في أنظمة الجور التي تعطل حدود الله. إن ارتباطنا بالإمام يكون بتبني مشروعه في إحياء الأرض عبر تطبيق أخلاقه وشريعته في أنفسنا أولاً، مترقبين لساعة الصفر التي يقلب فيها موازين الأرض ويظهر بها دين الحق على الدين كله، لنكون من المجاهدين الصابرين الذين لا تزل قدمهم في زمن الغيبة الكبرى.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه