فوائد العقل؛ الخمس وحب الدنيا
الحلقة السادسة والعشرون:
العقل والآخرة في مواجهة فتنة الدنيا
إنّ الله تبارك وتعالى حين خلق الإنسان منحه نعمة العقل لكي يعرف طريق النجاة، ويميّز بين ما يبقى وما يفنى. ولهذا أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة على ضرورة التعقل وعدم الانخداع بزينة الحياة الدنيا، فقال سبحانه:﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾. فالإنسان إذا استعمل عقله أدرك أنّ الدنيا مهما طالت قصيرة، ومهما كثرت أموالها فهي زائلة، بينما الآخرة هي دار القرار الحقيقي. ومن هنا كان أئمة أهل البيت عليهم السلام يحذرون الناس من الوقوع في فتنة الخمس وحب الدنيا، لأنّ حب المال قد يسحب الإنسان بعيداً عن طاعة الله وعن أداء الحقوق الشرعية.
إنّ كثيراً من الناس يسهر الليالي الطويلة من أجل بناء بيت أو جمع مال أو شراء أرض، لكنه يتثاقل عندما يتعلّق الأمر بحقوق الله تعالى. بينما المؤمن الحقيقي يفكر دائماً في رصيده عند الله، لا في الرصيد الفاني في الدنيا. ولهذا قال الإمام الكاظم عليه السلام لهشام إنّ العاقل هو الذي يختار الآخرة على الدنيا، لأنّ الدنيا مجرد ممر، أما الآخرة فهي الوطن الأبدي للإنسان.
كيف يقود حب الدنيا إلى الهلاك
- الدنيا متاع زائل لا بقاء له:
يؤكد الخطيب أنّ الإنسان حين يجعل الدنيا أكبر همّه يصبح غارقاً في القلق والخوف والطمع، لأنه يظن أن السعادة في جمع المال فقط. لكن الحقيقة أنّ الدنيا لا ثبات لها، فهي أشبه ببناء يُقام على شاطئ البحر؛ تأتي الأمواج فتهدمه سريعاً. ولهذا فإنّ القرآن الكريم وصف الدنيا بأنها لعب ولهو، لأنّها تذهب سريعاً ولا يبقى منها شيء. أما العمل الصالح الذي يُصرف لله تعالى فهو الباقي الحقيقي. ومن هنا نفهم خطورة الخمس وحب الدنيا، لأنّ بعض الناس يتعلقون بالأموال لدرجة تمنعهم حتى من أداء الحقوق الواجبة عليهم. - شداد وإرم ذات العماد:
استشهد المحاضر بقصة شداد الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، تلك المدينة التي وصفها القرآن بقوله: ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾. لقد أمضى سنوات طويلة يبني القصور المزخرفة بالذهب والفضة، وكان يظن أنّ ملكه سيبقى إلى الأبد، لكن الموت أدركه قبل أن يدخلها. وهذه القصة رسالة لكل إنسان يظن أنّ المال والقوة يمكن أن يمنحاه الخلود. فكم من ملوك امتلكوا الجيوش والقصور ثم رحلوا ولم يبقَ منهم إلا الذكرى. ولذلك فإنّ العقل يدعو الإنسان إلى أن يجعل عمله للآخرة لا للدنيا وحدها. - قوم عاد وقوة الأجساد:
كما أشار الخطيب إلى قوم عاد الذين كانوا أصحاب قوة عظيمة، حتى إنهم كانوا ينحتون الجبال بيوتاً ويظنون أنّ أحداً لا يستطيع التغلب عليهم. لكن الله تعالى أرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية. فالإنسان مهما امتلك من قوة أو مال فإنه ضعيف أمام قدرة الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإنّ الانشغال بـ الخمس وحب الدنيا على حساب الآخرة يُعدّ من أعظم الخسائر التي يقع فيها الإنسان.
حب الدنيا سبب خذلان الإمام الحسين عليه السلام
- الدنيا أعمَت القلوب يوم كربلاء:
يبين الخطيب أنّ الذين وقفوا في وجه الإمام الحسين عليه السلام لم يكونوا جميعاً من الكافرين أو الجاهلين بمقامه، بل كان كثير منهم يعرف أنّ الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنهم خافوا على مناصبهم وأموالهم. لقد كان حب الدنيا هو السبب الحقيقي الذي دفعهم إلى خذلان الإمام الحسين عليه السلام. ولهذا فإنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يؤكد أنّ المشكلة ليست في كثرة الشعارات أو المظاهر، بل في حقيقة القلب وعلى ماذا بُني. فالإنسان قد يكون كثير الصلاة والصيام، لكنه إذا كان عبداً للدينار والدرهم فإنه قد يسقط في الامتحان عند أول فتنة. - تأخير الفرج بسبب التعلق بالدنيا:
أشار الخطيب إلى أنّ من أسباب تأخر الفرج وظهور الإمام المهدي عليه السلام تعلّق الناس بالدنيا وانشغالهم بالمصالح الشخصية. فالإمام يحتاج إلى أمة مستعدة للتضحية والإيثار، لا إلى أناس جعلوا الدنيا أكبر همّهم. ولهذا فإنّ قضية الخمس وحب الدنيا ليست قضية مالية فقط، بل قضية عقائدية وتربوية تكشف حقيقة ارتباط الإنسان بالله تعالى وبالإمام المعصوم.
الخمس طهارة للمال وبركة للحياة
- الخمس عبادة لا مجرد مال:
أكد الخطيب أنّ الخمس عبادة عظيمة مثل الصلاة والصيام، بل إنّ بعض الناس يهتمون بإعادة الصلاة ولا يهتمون بإعادة الخمس إذا أخطأوا فيه. وقد قال الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾. فالخمس حق جعله الله تعالى لأهل البيت عليهم السلام ولخدمة الدين والفقراء وطلبة العلم، وليس من حق الإنسان أن يتصرف فيه بحسب هواه. - البركة في دفع الخمس:
يشير المتحدث إلى أنّ المال الذي يُدفع لله لا ينقص، بل يزداد بركة ونماءً. وشبّه ذلك بالشجرة التي تُقص بعض أغصانها فتعود أكثر قوة وإثماراً. وكثير من المؤمنين جرّبوا آثار هذه البركة في حياتهم، لأنّ الله سبحانه وعد بالمضاعفة لمن ينفق في سبيله. ولهذا فإنّ علاج مشكلة الخمس وحب الدنيا يبدأ من يقين الإنسان بأنّ الرزق بيد الله لا بيد المال. - حبس أموال الإمام المهدي عليه السلام:
يحذر الخطيب من التهاون في حقوق الإمام المهدي عليه السلام، ويعتبر حبس أموال الخمس ظلماً عظيماً. فالإنسان قد يؤخر أداء الحقوق الشرعية بحجة التجارة أو الحاجة أو التسويف، لكنه لا يدرك خطورة ذلك عند الله تعالى. وقد نقل قصة رجل أخّر إيصال أموال الأيتام ليلة واحدة، فرأى في المنام من يقول له: «حبس أموال اليتامى فحبسنا عنه الفرج». فلما أوصل الأموال زالت مشكلته فوراً. وهذا يكشف أنّ حقوق أهل البيت عليهم السلام ليست أمراً بسيطاً، بل هي من أعظم الأمانات التي يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة.
الاعتداء على حقوق الناس من آثار حب الدنيا
- أكل الميراث وظلم اليتامى:
تحدث الخطيب عن ظاهرة أكل الميراث وحرمان الضعفاء من حقوقهم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وتأكلون التراث أكلاً لمّاً﴾. فبعض الناس بعد وفاة الأب يستولي على البيت أو الأرض ويمنع حقوق الأيتام والإخوة، بسبب الجشع والطمع. وهذه من أخطر نتائج الخمس وحب الدنيا حين يسيطر حب المال على قلب الإنسان. وقد حذر القرآن الكريم من أكل أموال اليتامى، لأنّ من يفعل ذلك فإنما يأكل ناراً في بطنه. - التعدي على الأراضي:
كما حذر المتحدث من التعدي على أراضي الناس ولو بمقدار شبر واحد، لأنّ الإنسان سيحاسب على كل صغيرة وكبيرة يوم القيامة. فالذي يأخذ حق غيره قد يظن أنّ الأمر بسيط، لكنه سيقف بين يدي الله تعالى عاجزاً عن التخلص من تبعات الظلم. ولذلك كان أهل البيت عليهم السلام يؤكدون على الورع الشديد في حقوق الناس وأموالهم.
الإنفاق في سبيل الإمام المهدي عليه السلام
- دعم الدين من علامات الإيمان:
أكد الخطيب أنّ المؤمن الحقيقي يجعل جزءاً من ماله في خدمة الإمام المهدي عليه السلام، وفي دعم الحسينيات وطلبة العلم والمشاريع الدينية. فالإنسان حين ينفق في هذا الطريق فإنه يشارك في نصرة الحق ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام، ويحصل على دعاء الإمام وبركة الدنيا والآخرة. - أهل الباطل ينفقون لأجل باطلهم:
قارن المحاضر بين بعض اليهود الذين يدفعون الأموال باستمرار لدعم مشاريعهم، وبين بعض المؤمنين الذين يبخلون بحقوق الإمام وأهل البيت عليهم السلام. فإذا كان أهل الباطل يبذلون أموالهم لنصرة باطلهم، فمن الأولى بأتباع أمير المؤمنين عليه السلام أن يبذلوا أموالهم لنصرة الحق والدين.
أبو الفضل العباس عليه السلام مدرسة الإيثار
- العباس يحمل همّ العطاشى:
في ختام المجلس انتقل الخطيب إلى ذكر أبي الفضل العباس عليه السلام، ذلك البطل الذي خرج نحو الفرات بعدما سمع صراخ الأطفال من العطش. لقد كان همه الأول إيصال الماء إلى خيام الحسين عليه السلام، ولذلك اقتحم صفوف الأعداء بكل شجاعة حتى وصل إلى الماء. - موقف العباس عند الماء:
ولما وصل العباس عليه السلام إلى الفرات ومد يده إلى الماء، تذكر عطش الإمام الحسين والأطفال، فرمى الماء وهو يقول: «يا نفس من بعد الحسين هوني». ثم عاد بالقربة نحو المخيم، فقطعت يداه وسقط شهيداً وهو يدافع عن رسالة الوفاء والإيثار. فلما وصل الإمام الحسين إلى مصرعه قال: «الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي».
النتيجة
إنّ هذه المحاضرة تكشف بوضوح أنّ أخطر ما يهدد الإنسان هو حب الدنيا والتعلق بالأموال على حساب الآخرة. فالعاقل هو الذي يجعل الدنيا وسيلة لا غاية، ويؤدي حقوق الله تعالى وحقوق أهل البيت عليهم السلام، وخاصة الخمس الذي جعله الله سبباً للطهارة والبركة. كما تؤكد سيرة الإمام الحسين وأبي الفضل العباس عليهما السلام أنّ طريق النجاة يقوم على الإيثار والطاعة والتضحية، لا على الأنانية والطمع. ولذلك فإنّ قضية الخمس وحب الدنيا ليست مجرد قضية مالية، بل امتحان حقيقي يكشف صدق الإيمان ومحبة الإنسان لله ولأوليائه عليهم السلام.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”