شمس لاتغيب؛ الإمام المهدي والفتن
الحلقة السابعة والستون:
حقيقة الفقه ونور الإدراك في مواجهة الفتن
أبدأ حديثي إليكم بما روي عن إمامي وجدي أبي عبد الله الصادق عليه السلام حين قال: «خبر تدريه خير من عشرة ترويه». نحن اليوم في خضم ما يموج به العالم من اضطرابات، بحاجة ماسة لهذا الفهم العميق؛ فلكل حق حقيقة، ولكل صواب نوراً يستضاء به، وإن لكل ما يصيب العبد نوراً يسمى نور الفهم ونور الإدراك. أنا والله، لا أعد الرجل من شيعتنا فقيهاً حقاً حتى يكون عارفاً بما نسميه «لحن القول»، أي ذلك الفقيه الذي إذا قلت له كلاماً والقصد منه خفي في لفظك، استطاع بفقاهته أن يكشف ذلك القصد ويصل إلى لبّ الحقيقة.
الفقه الحقيقي ليس مجرد وقوف ساذج عند ظواهر الأفعال؛ كمن يرى شخصاً يرفع حاجبه أثناء الوضوء فيظن أن رفع الحاجب بذاته مستحب شرعي، بينما الغرض الحقيقي هو إيصال الماء لما تحت الشعر. من لا ينظر إلى الأمور بعمق، ولا يدرك المقاصد من وراء الألفاظ، لا نصيب له من الفقه الأصيل. ومن هذا المنطلق، يجب أن نبحث في علاقة الإمام المهدي والفتن التي تحيط بنا، لنميز بين الظاهر والباطن، وبين الحق المضيء والباطل المتستر بظلمة الجهل والسطحية.
منهج “النواة” والنجاة من الفتنة العمياء
-
حقيقة الفتنة المظلمة والكسوف الروحي:
لقد وقف أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة محذراً بصرخة مدوية: «إن من ورائكم فتنة، فتنة مظلمة عمياء منكسفة». ومعنى أنها منكسفة أي أن الشمس موجودة -وهو الإمام الحجة- ولكن الحجاب ضرب عليها بفعل ذنوبنا، فلا ينجو منها إلا من وصفهم الإمام بـ “النواة”، وهم الصفوة الذين لا ينجرفون مع كل ريح ولا يفتون في كل شيء بغير علم. -
صفات النواة في خضم الصراعات المعاصرة:
“النواة” هو الذي يعرف الناس بفقاهته وبصيرته ولا يعرفونه هم، يميز الصالح من الطالح والسعيد من الشقي، لكنه لا يتكلم في الناس ولا عنهم. في زمن تشتعل فيه الفتن، تجد رأيه خفياً؛ فلا يدرون أهو مع هذا الحزب أو تلك القبيلة، بل هو “هندي الهوى” إن جاز التعبير، لا يتدخل في صراعات لا تخدم الحق، بل يحفظ دينه من التلوث بضجيج الأفواه الغوغائية. -
الفتن المعاصرة وتحدي الثبات المعرفي:
انظروا إلى ما يحدث اليوم، كفتنة الحجاب وغيرها؛ تجد الناس بين متعدٍ على غير المحجبات بظلم لا نرتضيه، وبين متكشف بالحجاب مستهين بالحرمة. في مثل هذه المواقف، تظهر قيمة النجاة التي أشار إليها أمير المؤمنين؛ فإذا تكلمت ربما كنت ناصراً للظلم، وإذا سكتت ربما كنت ناصراً للكشف، وهنا تبرز علاقة الإمام المهدي والفتن كبوصلة للمؤمن الذي يبتعد عن القيل والقال.
بركات الحجة وغيبته: شمس خلف السحاب
-
الحجة القائمة وبركات المجالس الحسينية:
اعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة، ولكن الله يعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم؛ فالحجة موجودة ببركاتها وآثارها، كما في قصة الطباخ الذي رأى الإمام في منامه وهو يقول: «أنا شيدت هذه المجالس». الإمام هو المؤسس الحقيقي لكل ذكرى للحسین، بينما يغفل الناس وينسبون الفضل لأنفسهم، نسياناً منهم لصاحب البركة الذي أمال القلوب ووفق الباذلين. -
“ضرب يعسوب الدين بذنبه” ودلالة الاستقرار:
في نهج البلاغة نجد وصفاً بليغاً للإمام: «ضرب يعسوب الدين بذنبه». واليعسوب هو السيد العظيم، وضرب الذنب استعارة عربية تشير إلى الاستقرار والتمكن، كالحيوان الذي يضرب بذنبه الأرض إذا جلس واطمأن. هذا يشير إلى أن الإمام، رغم غربته وضعف انتفاع الناس الظاهري به في زمن الغيبة، إلا أنه الركن الركين والمستقر الحقيقي للدين في زمن الابتلاء. -
غربة الإسلام وزهد الناس في الحق:
كما أن الإمام يصبح غريباً عندما يصبح الإسلام غريباً؛ فالناس اليوم يرجون الدنيا والمال والسلطنة، ويزهدون في إسلام يدعو للصدقة والزهد والجهاد. عندما لا يقتدى بالإمام ولا يؤخذ بكلامه معاصراً، يصبح كـ “الصاق الأرض بجيرانه”؛ أي قليل النفع لمن أعرض عنه، وهذا من أعظم تجليات العلاقة بين الإمام المهدي والفتن التي تصرف القلوب عن الحق.
التواضع المعرفي وأدب السكوت أمام الإمام
-
التحذير من استدرار الكلام والادعاء العلمي:
إن مشكلتنا الكبرى هي كثرة الكلام في كل فن وعلم وعقيدة، فيما نعلم وما لا نعلم. نحن نحاول استدرار الإمام بالكلام، والواجب هو السكوت والطلب. لنكن مثل جبرائيل عليه السلام عبداً ذليلاً متعلماً، أو كأمير المؤمنين بين يدي رسول الله يطلب العلم ولا يظهره، لأن كثرة الادعاء تحجب عنا نور الحجة الحقيقي. -
مدرسة الإمام الجواد والسكوت الهادف:
يقول الإمام الجواد عليه السلام: «اسكت»، والمهدي نسخة من جده الجواد؛ سكت كما سكت آباؤه صوناً للحق من الضياع بين أهواء الجاهلين. إن النطق بغير إذن وبغير علم في زمن الغيبة يزيد من شدة الفتنة، بينما السكوت البصير يمهد الطريق لظهور كلمة الإمام التي هي فصل الخطاب في كل العلوم والفنون.
النتيجة
إن الخلاصة التي يجب أن نخرج بها من هذا المجلس هي أن النجاة في زمن الإمام المهدي والفتن تتطلب فقهاً يتجاوز القشور، وصمتاً يسبقه فكر، وتواضعاً يحطم كبرياء الادعاء. الغيبة ليست غياباً للإمام، بل هي كسوف تسببنا فيه بظلمنا؛ فإذا أردنا أن نكون من “النواة” الناجية، فعلينا أن نبحث عن الحكمة كضالة منشودة، ونبتعد عن ضجيج الفتن، منتظرين بصدق إشراق شمس الإمامة التي لا تغيب أبداً عن قلوب العارفين.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”