فوائد العقل؛ الاستشارة وتنمية العقل
الحلقة الثامنة عشرة:
الاستشارة وتنمية العقل
يا عطر أنت كل مؤمن ومؤمنة، يا مظلوم كربلاء، يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزًا عظيمًا. رسول الحسين، ونِعم الرسول. لقد بايعوا ورغبوا فيهم، فيا بئس للبيعة كاشحًا! لقد خذلوا وأسلموا وغدرهم لم يزل واضحًا. هذا ما جرى لرسول الحسين، مسلم بن عقيل، الذي فدته النفوس لعظم رزيته، فذابت القلوب لما قد رأت من معانٍ مؤلمة. بكت عليه مدامع الشيعة ولم تفرح، وطلعت الدموع تحييه غادية ورائحة. المصاب هنا عظيم، لأنه لم يروَ من شربة ماء، ورموه من القصر بعد أن وثقوا به.
أما بعد، فقد أكد لنا مولانا موسى بن جعفر (عليه أفضل الصلاة والسلام) على أهمية العقل في حياة الإنسان المؤمن، فقال لهشام: “يا هشام، إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾”. هذا البيان القرآني يضع العقل في صميم الهداية والتوفيق الإلهي، مؤكدًا أن أهم دور يقوم به ابن آدم في الحياة هو أن يستفيد من عقله، وليس فقط من بصره أو سمعه أو عضلاته المفتولة أو علاقاته الواسعة أو ماله الوافر أو ولده وسمعته الطيبة. بل إن الاستشارة وتنمية العقل هما المفتاح للوصول إلى مراتب عليا من الفهم والإدراك.
أهمية العقل ودوره المحوري في حياة المؤمن
إن الله تعالى قد كرّم الإنسان بنعمة العقل، وجعلها أساسًا للتميز والهدى. فبشر أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، بأن لهم الجنة ومثوى كريمًا. وفي الرواية الشريفة: “ذرة عقل خير من جهد الجاهلين”. هذه الحكمة العظيمة تدفعنا إلى إفراد الوقت الكافي لـتنمية العقل، وجعله الأداة الأولى لكل قرار أو خطوة في حياتنا، سواء في الأسفار التي تفرج الهم وتكتسب منها المعيشة والعلم والآداب، أو في اتخاذ أي قرار مصيري.
-
العقل قبل العمل:
قبل أن تقوم بأي عمل أو تسافر، نمِ عقلك من خلال الاستشارة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “ما خاب من استشار”. الاستشارة ليست مجرد عادة، بل هي منهج يقي الإنسان من الوقوع في الأخطاء التي قد تكون لها عواقب وخيمة، حتى لو كان الإنسان على قدر عالٍ من العلم والفهم. -
قصة آدم (عليه السلام) وعبرتها في الاستشارة:
نبينا آدم (عليه السلام) كان أعلم الناس، فـ “علّم آدم الأسماء كلها”. كان يعلم علم الأولين والآخرين، ويعرف أسماء الفرج بجميع اللغات، والطب والفيزياء والكيمياء. ومع كل هذا العلم الوافر، أخطأ عندما لم يستشر الملائكة بخصوص الشجرة المحرمة. هذا يبرز أن حتى أعلم الناس يحتاج إلى الاستشارة لـتنمية العقل وتجنب الزلل، فالعصيان لا يستحق أي ثمن أو ثمر. -
العلم إمام العقل:
العقل يحتاج إلى علم ليتم نموه وتوجهه. العلم إمام العقل والعقل تابعه. الأنبياء هم أوفر الناس عقلاً، ولذلك ذرة عمل من النبي أفضل من جهد المجتهدين. فالعلم والمعلومة الإضافية هي التي تمنح العقل البصيرة اللازمة لاتخاذ القرارات الصائبة، وهي ما يميز العقل البصير عن مجرد المعلومات المتراكمة.
أدوات تنمية العقل ودروس من سيرة الأنبياء
تنمية العقل ليست عملية تلقائية، بل تحتاج إلى أدوات ومناهج مستمرة، أبرزها طلب العلم والاستشارة. والقرآن الكريم يقدم لنا أمثلة واضحة من سيرة الأنبياء (عليهم السلام) لتوضيح هذه الأدوات وكيفية تطبيقها في حياتنا.
-
قصة موسى والخضر (عليهما السلام) ودور المعلومة الإضافية:
نبي الله موسى (عليه السلام)، وهو من أولي العزم وأوفر الناس عقلاً، لم يستطع الصبر على أفعال الخضر (عليه السلام) لأنه كان يفتقد المعلومة الإضافية. قصة خرق السفينة، وبناء الجدار لليتيمين، وقتل الغلام كلها دلائل على أن العقل البشري، مهما بلغ من الكمال، يحتاج إلى علم لدني ومعلومات إضافية لا يمتلكها إلا الخالق عز وجل أو من يطلعه الله عليها. هنا تبرز أهمية الاستشارة، فهي بمثابة الحصول على تلك المعلومة الإضافية التي قد لا يملكها الفرد بنفسه، وتؤدي إلى تنمية العقل وتوسيع مداره. -
أهمية الاستشارة حتى مع الأقربين:
العقول تتفاوت، والاستشارة ليست حكرًا على أهل العلم المتخصصين. حتى زوجتك في البيت قد تكون مفتاحًا لحل معضلة أو فهم مسألة. قصة العالم الذي استعان بزوجته في فهم عبارة “لكن” تظهر أن الحكمة والمعلومة قد تأتي من مصدر غير متوقع. كما أن قصة نبي الله داوود وسليمان (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ تؤكد أن الفهم العميق قد يوهب لأحد الأبناء دون الأب، وهذا يوضح أهمية تنمية العقل بالاستعانة بالآخرين. -
المال في الميزان الرباني ودور العقل فيه:
النظام الرأسمالي الذي يرفضه القرآن الكريم، يركز على جمع المال وتكدسه، بينما القرآن يدعو إلى أن يكون المال في حركة دائمة لكي لا يكون “دولة بين الأغنياء منكم”. قصة الإمام الصادق (عليه السلام) وتفسيره للحلم الذي رآه الرجل، والذي تحدث عن قدور اللحم وقدور الماء، يوضح أن المال يتداول بين الأغنياء، والفقير لا يحصل على شيء. هذا يعكس غياب العقل في إدارة الثروات وتوزيعها بشكل عادل، وهو ما يتنافى مع الاستشارة الإلهية في تنظيم الاقتصاد الإسلامي.
النتيجة
إنَّ الاستشارة وتنمية العقل تمثّلان أساسًا مهمًّا في بناء الإنسان الواعي القادر على اتخاذ القرار الصحيح. فكلّما رجع الإنسان إلى أهل الخبرة، واستفاد من تجارب الآخرين، ونظر بعقله لا بعجلته، كان أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ. ومن هنا، فإن ترسيخ ثقافة الاستشارة وتنمية العقل هو طريقٌ لبناء شخصيةٍ أكثر وعيًا وثباتًا ومسؤولية.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”