تجليات المعرفة بالله والفطرة الكامنة في أعماق الروح وسبيل إحياء القلوب عبر الانقطاع الصادق في رحاب الصلاة.

سیاحة التسبیح؛ المعرفة بالله والفطرة؛ الحلقة 5

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ المعرفة بالله والفطرة

الحلقة الخامسة:

المعرفة بالله والفطرة: العلم المودع في أعماق القلوب

باسم مَن ليس في وحدانيته شكٌ ولا ريب، وباسم مَن لا فوقَ عليه ولا رغبةَ إلا إليه، باسم المعلوم غير المجهود والمعروف غير الموصوف. وصلنا في حديثنا إلى هذه النقطة الجوهرية: إن هناك علماً بالله تبارك وتعالى، وهذا العلم موجودٌ في قلب كل واحد منا؛ وهو ما نسميه المعرفة بالله والفطرة. هذا العلم ليس غريباً عنا، بل هو حقيقةٌ جُبلنا عليها، ولكن هذا العلم الإلهي يحتاج دائماً إلى ما يُظهر آثاره في وجودنا وفي حركاتنا وسكناتنا. إن الفطرة هي الأصل، وهي تلك المعرفة التي لا تُجحد، والموجودة من دون أن يحتاج أحدٌ إلى أن يصف لنا أن الله حكيمٌ أو مجيد؛ فنحن نشعر بهذه الأسماء حقيقةً في أرواحنا.

إن هذا العلم القلبي، أي المعرفة بالله والفطرة، هو الذي يجعلنا نفرح بأسماء الله تعالى، لأنها حقائق وجدانية لا نحتاج لتعلمها من أحد كمعلومات جافة. أنا أدرك في داخلي أن الله حنونٌ بعباده، وأنه الرازق المتكفل بكل ذرة في الوجود. ولكن، ما الذي يمنع هذا العلم من الظهور؟ إنها الحجب التي تأتي من الانشغالات بالذات، مما يسبب للإنسان أن يتجاهل ذلك العلم الموجود في قلبه. لذا، نحن هنا لنتذكر هذا الإله الموجود، الذي ليس مجهولاً حتى يُعرفنا به أحد، بل هو المعروف غير الموصوف، الأكبر من أن يحيط به وصفٌ أو بيان.

 

أثر المعرفة بالله والفطرة في عبادة الصلاة

  • مفهوم الميل القلبي والانقطاع:
    إن آثار المعرفة بالله والفطرة تتجلى بوضوح في الصلاة؛ فماذا نعني بالصلاة؟ إنها ذلك الميل القلبي الذي تتوجه فيه كل حوائجنا ورغباتنا وأمانينا نحو الخالق وحده. الصلاة هي أن “تبتل إليه تبتيلاً”، أي أن تنقطع عما سواه انقطاعاً تاماً، وتلقي بكل هموم الدنيا ومشاكلها خلف ظهرك بمجرد قولك “الله أكبر”.

  • المسجد كملاذ للانقطاع عن الدنيا:
    لقد تفضل الله علينا ببيوته، والأنبياء عليهم السلام هم من بنوا المساجد لتكون مكاناً لهذا الانقطاع. حين تدخل المسجد، اترك الدنيا وراءك، لا تفكر في همومك؛ بل اجعل تلك اللحظة تجلياً كاملاً لـ المعرفة بالله والفطرة، حيث ينكشف العلم المخبوء في أعماقك وتتصل بمصدر الوجود بعيداً عن ضجيج الحياة.

 

حقيقة المعروف غير الموصوف وشهود الوجدان

  • الفرق بين العلم بالوصف والعلم الفطري:
    الأشياء الغائبة عن أعيننا هي التي تحتاج إلى واصفٍ يصفها لنا، كأن يصف لنا شخصٌ جزيرةً خلف البحار وتجارتها ومطارها لنكون فكرة عنها. أما الله تعالى، فإن أي وصف لا يجلب لك معرفته الحقيقية، لأن المعرفة بالله والفطرة هي ذكرى موجودة فينا أصلاً؛ فالله ليس مجهولاً يحتاج لتعريف، بل هو أكبر من أن يوصف.

  • تجاوز الحجب والارتباط بالرازق:
    باسم المتكفل برزق من أطاع وعصى، تتجلى لنا صفات الله العجيبة؛ فهو يرزق حتى من يعادونه. إن المعرفة بالله والفطرة تجعلنا ندرك أن الله حنانٌ بعباده، حتى العاصين منهم، ولا يقطع رزقه عن أحد. هذا المشروع العظيم، مشروع أرزاق العباد، لا يقوى عليه إلا الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.

 

إحياء القلوب في زمن الغيبة ببركة صاحب الزمان

  • الإحياء الحقيقي وسر اسم الله المحيي:
    نؤمن باسم الله الذي أمات وأحيا؛ والقرآن يعلمنا أن هناك من كان ميتاً فأحياه الله بنور الإيمان. في زمن غيبة الإمام المهدي، قد يفتقد الناس الحياة الحقيقية، ولكن على يد المهدي وبراية المهدي يتم إحياء القلوب، لتعود إليها بركة المعرفة بالله والفطرة وتنبض من جديد بالولاء واليقين.

  • الأثر الباقي والارتباط بالإمام المهدي:
    نحن نطمح لتلك المنزلة التي ندرك فيها الآثار الإيمانية، ولا نريد أن نعيش كعامة الناس بلا ثمر أو أثر. نسأل الله باسمه الذي يحيي ويميت أن يجعلنا “أحياءً” في زمن الغيبة؛ ليكون لنا أثرٌ باقٍ ببركة الإمام المهدي، أثرٌ يتجاوز فناء الأجساد في التراب ويستمد بقاءه من نور الإمامة.

 

هيمنة الخالق وحصن الولاية العلوية

  • سلطان الله المهيمن على القوى العظمى:
    إن الله تعالى مهيمنٌ بسلطانه، وهو لم يعطِ سلطانه إيجاراً لأحد؛ فالدول العظمى لا تبطش إلا حيث شاء الله. إن المعرفة بالله والفطرة تؤكد لنا أن الأمر كله بيد الله وبيد خليفة الله في الأولى والآخرة، وأن الآخرة خيرٌ لنا من الأولى لأنها دار البقاء والملك الحقيقي.

  • علي بن أبي طالب الحصن وكاشف المغيبات:
    في اسم الله “العلي الأعلى”، نجد أن أفضل حصن يدفع عنك الظالمين هو أبا الحسن علي بن أبي طالب، فهو أحسن من الجيوش الجبارة. ومن أراد كشف المغيبات من العلم، فعليٌ هو الباب؛ ومن أراد الرزق الأعلى، فعليٌ هو الواسطة، وهو الذي يقودنا في طريق المعرفة بالله والفطرة نحو جلال الله وعظمته.

 

النتيجة

إن حقيقة حياتنا تدور حول المعرفة بالله والفطرة؛ ذلك العلم الذي يحتاج منا إلى صدقٍ في الانقطاع وتوجهٍ كامل نحو الخالق. من خلال الصلاة والتمسك بولاية علي بن أبي طالب والارتباط بـ الإمام المهدي، نستطيع أن نرفع حجب الغفلة ونصبح أحياءً بقلوبنا. إن الله المعروف غير الموصوف ينتظر منا أن نفيء إلى فطرته لننال الرزق الأعلى والأثر الباقي في الدنيا والآخرة، مستمسكين باسمه الجليل الأجل.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه