معايير تمييز صاحب الأمر الحقيقي وخفاء ولادته

شمس لاتغيب؛ تمييز صاحب الأمر الحقيقي؛ الحلقة 91

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ تمييز صاحب الأمر الحقيقي

الحلقة الحادیة والتسعون:

حقيقةُ غيبةِ الإمامِ ومعاييرُ معرفةِ الحجةِ

أحييكم يا محبي أهل البيت، ونحن اليوم نتشرفُ بالوقوفِ في رحابِ مدرسةِ إمامِنا أبي جعفرٍ الباقرِ عليه السلام، لنستبصرَ ونغوصَ في قضيةٍ هي جوهرُ عقيدتِنا وأساسُ ثباتِنا. إنّ حديثي معكم اليوم يدورُ حولَ نقطةٍ جوهريةٍ وهي كيفيةُ تمييزِ صاحب الأمر الحقيقي في زمنٍ تلاطمت فيه أمواجُ الفتنِ، واختلطت فيه الأوراقُ حتى ضلَّ الكثيرون. لقد رسمَ لنا الإمامُ الباقرُ عليه السلام صورةً بليغةً وواضحةً حين قال: «إنما نجومُكم كنجومِ السماء، كلما غاب نجمٌ طلع نجم».

إنّ هذا التسلسلُ النورانيُّ الذي ذكره الإمامُ يؤكدُ أنّ الأرضَ لا تخلو من حجةٍ أبداً، ولكنّ الوصولَ إلى هذا النورِ في زمانِنا يتطلبُ بصيرةً نافذةً. نحن بحاجةٍ ماسةٍ لنميزَ بين الحقيقةِ والادّعاء، خاصةً في تلك الأزمنةِ التي يختلطُ فيها الحقُّ بالباطلِ، وتشرئبُّ فيها أعناقُ الأدعياءِ الذين يحاولون تقمصَ دورِ صاحب الأمر الحقيقي. لذا، فإنّ فهمَنا لهذه الرواياتِ هو الدرعُ الحصينُ الذي يحمينا من الحيرةِ والضياعِ في متاهاتِ الغيبة.

 

دلالةُ البنانِ ومالت الحواجب: فلسفةُ الغيبةِ الكبرى

  • الاستتارُ عند الشهرةِ المفرطة:
    لقد وضعَ الإمامُ عليه السلام قاعدةً جوهريةً لفهمِ أسبابِ الغيبة؛ إذ يقول: «حتى إذا أشرتم بالبَنان ومالت الحواجب، غيّبَ اللهُ عنكم نجمَكم». هذا يعني أنّ صاحب الأمر الحقيقي عندما يُشارُ إليه بالأصابعِ ويصبحُ مشهوراً بين الناسِ بحيث تتجهُ إليه الأنظارُ من كلّ جانب، يتدخلُ القدرُ الإلهيُّ لغيبتِه حمايةً له من بطشِ الأعداء.

  • خطرُ الإذاعةِ والاشتهار:
    إنّ الظهورَ العلنيَّ في غيرِ أوانِه، وتداولَ اسمِ الإمامِ على كلّ لسانٍ (دلالة الحواجب)، يشكلُ خطراً حقيقياً على حياتِه وعلى مشروعِ اللهِ في أرضه. فحين يذيعُ صيتُه وتستوي النفوسُ لمبايعتِه قبلَ الوقتِ المقدرِ إلهياً، يشاءُ اللهُ أن يغيّبَه ليبقى ذخراً للأمة؛ فالحفاظُ على حجةِ اللهِ أسمى من إرضاءِ فضولِ الناس.

 

استواءُ بني عبد المطلب وفتنةُ الأدعياء

  • استيلاءُ بني العباسِ على الرقاب:
    في زمنِ الغيبة، يصفُ الإمامُ حالاً مريراً بقوله: «واستوت بنو عبد المطلب»، والمقصودُ هنا هم بنو العباسِ الذين استولوا على رقابِ الناسِ باسمِ الدين. في هذا المناخ، تشابهتِ الأمورُ على العامة، ولم يَعُد يُدرى الديّانُ من المدّعي، فصارَ كلُّ طرفٍ يدّعي أنه هو الممثلُ الشرعيُّ للدينِ أو أنه المهديُّ المنتظر.

  • تلاعبُ الحكامِ بالفتيا والأحكام:
    لقد جعلَ حكامُ بني العباس، كهارون والمأمون، الدينَ كالألاعيبِ في أيديهم، فاستحوذوا على الفتيا والأحكام لخدمةِ سلطاتِهم. فبينما كان المأمونُ يُظهرُ الولاءَ ويلعنُ معاوية، كان في الحقيقةِ يمارسُ سلطةً بعيدةً كلَّ البعدِ عن نهجِ صاحب الأمر الحقيقي، مما أدى إلى حيرةِ الناسِ وضياعِ الحقِّ وسطَ الشعاراتِ الزائفة.

 

معيارُ خفاءِ الولادةِ والتمييزِ بين الحقِّ والدجل

  • التحذيرُ من الإصغاءُ للحمقى:
    عندما جاءَ عبد الله بن عطاءٍ يتساءلُ عن سببِ عدمِ خروجِ الإمامِ رغمَ وجودِ الأنصار، زجره الإمامُ قائلاً: «لقد أخذتَ تفرش أذنيك للحمقى». هذا تنبيهٌ لنا جميعاً ألا ننساقَ وراءَ العواطفِ السطحيةِ أو نسمعَ لِمَن يستعجلون أمرَ الله، فـ صاحب الأمر الحقيقي لا يتحركُ وفقَ أهواءِ الناسِ بل وفقَ المشيئةِ الإلهية.

  • الولادةُ المستورةُ كعلامةٍ فارقة:
    المعيارُ القاطعُ الذي وضعه الإمامُ هو قوله: «انظروا إلى من غابت عن الناس ولادتُه، فذلك صاحبُكم». فبينما تكونُ ولادةُ سائرِ الناسِ مقرونةً بالضجيجِ والولائم، كانت ولادةُ صاحب الأمر الحقيقي سراً مكنوناً حتى داخلَ بيتِ الإمامِ العسكري عليه السلام، وهذا الخفاءُ هو الذي حفظه من القتل، وهو الذي يميزُه عن كلِّ دجالٍ يدّعي المهدوية.

 

حقيقةُ الاستتارِ ومسؤوليةُ المؤمنِ في زمنِ الانتظار

  • النجمُ الخنّس والموجودُ المستور:
    إنّ إمامَنا موجودٌ بيننا، لكنه مستورٌ كالنجمِ الخنّس؛ «نجمُنا إذا طلع، فهو نجمٌ موجود، غائب، مستور، خنس». الغيبةُ لا تعني العدم، بل هي غيابُ العنوانِ عن الإدراكِ العام. إنّ بزوغَ حقيقتِه هو فضلٌ من اللهِ وليس من صنعِ البشر، وهذا يتطلبُ منا يقيناً ثابتاً لا تهزه عواصفُ التشكيكِ أو ادعاءاتُ المبطلين.

  • اللجوءُ إلى اللهِ والتمسكُ بالثوابت:
    واجبُنا في هذا الزمانِ هو اللجوءُ إلى اللهِ تعالى واليقينُ بأنّ اللهَ كريمٌ ولن يتركَ خلقه. يجبُ علينا ألا نضعَ آذانَنا لكلّ ناعقٍ يدّعي المهدويةَ وهو يفتقرُ لأبسطِ معاييرِها. إنّ التمسكُ بنهجِ الأئمةِ الصادقين هو السبيلُ الوحيدُ للنجاةِ والوصولِ إلى معرفةِ صاحب الأمر الحقيقي في نهايةِ المطاف.

 

النتيجة

إنّ ما نستلهمُه من مدرسةِ الإمامِ الباقرِ عليه السلام هو أنّ خفاءَ الولادةِ والاستتارَ عن الأعينِ عند ذيوعِ الصيتِ هما من أسرارِ اللهِ لحفظِ حجته. يجبُ أن نعلمَ أنّ كلَّ مَن يُشارُ إليه بالبنانِ ويُشهرُ أمرُه في زمانِ الغيبةِ، فإنه يُعرضُ نفسَه للتلف، وأنّ صاحب الأمر الحقيقي هو المحفوظُ بسترِ الله. إنّ فتنةَ بني العباسِ وادعاءاتِهم التاريخيةَ تعلمنا كيف نحذرَ من “ألاعيبِ” السياسيين المتسترين بالدين. اليقينُ بوجودِ الإمامِ المستورِ هو الذي يمنحُنا القوةَ للثبات، سائلين اللهَ أن يجعلنا من المنتظرين الحقيقيين لظهوره المبارك.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه