شمس لاتغيب؛ نصرة الحق وإقامة العدل
الحلقة الرابعة والستون:
واجب نصرة الحق وإقامة العدل في ظل التواكل
في سياق بحثنا المتواصل، بحث «شمس لا تغيب»، نتوقف اليوم عند كلمات نورانية لأمير المؤمنين عليه السلام، خطب بها في الكوفة، وكأنها تشخيصٌ دقيق لأزمتنا الراهنة، وهي السبب في تمكّن الباطل وسلطة الجبابرة. فقد بيّن الإمام المرتضى عليه السلام أن تجرُّؤ من ليس مثلنا علينا، لم يحدث إلا بسبب ثلاثة نواقص أساسية فينا: «ولو لم تتواكلوا عن أمركم، ولم تتخاذلوا عن نصرة الحق بينكم، ولم تهنوا عن إهانة الباطل، لما تجرّأ عليكم من ليس مثلكم».
إن هذه الشروط الثلاثة، والتي تمثل نواقص في التزامنا، هي التي مكّنت أهل الباطل من التقمُّص للحكم، واتخاذ عباد الله خَوَلاً (خدمًا)، ومالَ الله دُوَلاً (متداولاً بينهم يحكمون فيه). لو كنا راعينا هذه الشروط، لَنصرنا الحق إذا رأيناه، ولأهنَّا الباطل إذا واجهناه، ولَمَا هُضمت الطاعة المحتضَنة. فاليوم يُرى مشروع الإمام المهدي عليه السلام في الأرض مُضيَّعاً، والناس يعيشون في ضنك العيش، بدلاً من أن ينعموا بثماره.
النواقص الثلاثة المانعة من نصرة الحق وتمكين المشروع الإلهي
إنّ واجب نصرة الحق وإقامة العدل يتطلب منا القيام بمهامنا دون تنصُّل، وهذا ما بيّنه الإمام (ع) في الشروط الثلاثة:
-
التخلي عن التواكل والتنصُّل من المسؤولية:
إنّ أول هذه النواقص هو “التواكل عن الأمر“، والذي يعني التنصّل من المسؤولية، كما في القصة المذكورة: «اذهب أنت وربك فقاتلا»، فتجعلُ الأمر على غيرك. وهذا التواكل ليس من التكليف، ولا من حمل الأمانة. إنّ الإنسان اليوم يجب أن يكون من المصارعين في رضاه، وأن يحمل الحمل الذي ألقاه الله تعالى عليه، ويقوم بمهامه تجاه الحق، ويحفظ حقّ إمام الزمان وحرمته. السكوتُ هو ضياعٌ لحقّ الإمام المهدي عليه السلام لأنه لم يُستنصَر، ولم يُمكَّن مشروعه. -
وجوب القيام بـ نصرة الحق: إقامة العدل يبدأ من اليقظة:
إنّ مشروع الإمام المهدي هو إقامة دولته التي أساسها نصرة الحق وإقامة العدل؛ رعاية الأيتام، وكفالة الأرامل، والاهتمام بالضعفاء وكبار السن والأطفال، وتعليم الجاهل، ومداواة المريض. إنّ ضياع هذا المشروع اليوم يعني أن “النصرة” (الشرط الثاني) مفقودة. فالسكوت عن الطغيان، وترك الإنكار، والتهاون في مواجهة المنكر، كلّ ذلك تمكين للباطل، وانتهاءٌ عن الحق، وترك لواجب نصرة الحق وإقامة العدل. -
النهوض لإهانة الباطل: لا استصغار للشان في مواجهة الطغيان:
إنّ الشرط الثالث هو عدم الوهن عن إهانة الباطل. إنّ السكوت عن الطغيان يؤدي إلى هيبة الطغاة. والسؤال هو: هل يرى المؤمن نفسه أقلّ شأناً ممن أقام الله به دولة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فليس إنكار المنكر مربوطاً بصغير أو كبير، ولا بذي وجاهةٍ اجتماعية أو صاحب سلطان. فالعقيلة زينب عليها السلام، وهي امرأة وأسيرة في موضع الضعف، نطقت وتكلّمت في مجلس يزيد، وزلزل كلامها عرشه، وفضح سلطانه، لأنها قامت بواجب إهانة الباطل بأكمل وجه، لتؤكد أن نصرة الحق واجبة على الجميع.
أمثلة تطبيقية: لا مجال للاستصغار
في هذا الباب، تقف أمامنا أمثلة راسخة تبيّن عدم جواز استصغار الشأن في نصرة الحق مهما كانت الظروف:
-
الشابّ الصغير في سورة المنافقين:
لقد أنزل الله تعالى آيةً وسورةً كاملةً في فضح المنافقين تصديقاً لشهادة شابّ صغير، حين تكلّم وبلّغ رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول المنافق: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. هذا الشابّ قام بدوره، فخلّده الله في كتابه. إن لم يكن لك وجهٌ في الدولة، فأنت في بيئتك صاحب كلمة، وكلمتك مؤثرة في نصرة الحق. -
العقيلة زينب عليها السلام وإقامة الحجة:
وأعظم مثال هو العقيلة زينب عليها السلام. امرأة، وفي زمنٍ كانت المرأة عند العرب لا تُحسب حساباً. ومع ذلك، وقفت في مجلس يزيد، ونطقت لتفضح تدليس بني أميّة الذين صوّروا للناس أنّ الحسين خارجٌ عن الدين. إنّ الشاهد أنّ النهضة في النهي عن المنكر واجبة، ولا يجوز للإنسان أن يستصغر شأنه، لكونه غير متصدٍ لمنصب أو لا يملك سلطاناً، فالطاعة يجب أن تُصرف للمهدي، لا أن تتحوّل إلى أباطيل ومناصب لا وزن لها.
النتيجة
إنّ الخربطة التي جاءت فحكمت البلاد وصعدت على رقاب الناس، ليست أمراً جديداً. فبنو إسرائيل ضَلّوا وتاهوا في عهد موسى عليه السلام لأنهم أضاعوا الإمام، ولما أضاعوا الإمام أضاعوا الطريق. يُقال لهم: لِمَ ضلَلتم؟ فيُقال: لأنكم تركتم إمامكم، ومن ترك الإمام فقد ترك الصراط. وبحقّ القرآن، من ضيّع الإمام فقد ضيّع الطريق، ومن ضيّع الطريق لا يصل إلى الحق، ولا يعرف العدل، ولا يستقيم له أمر. فالقضية كلها تدور حول الالتزام بالدور الفردي في نصرة الحق وإقامة العدل، وإلّا فإن الضياع سيكون مصيرنا.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”