أهمية اتباع الإمام والتقرب إلى الله في کلام أمير المؤمنين (ع)

شمس لاتغيب؛ اتباع الإمام والتقرب إلى الله؛ الحلقة 78

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ اتباع الإمام والتقرب إلى الله

الحلقة الثامنة والسبعون:

ضرورة الائتمام بالإمام المعصوم والحذر من اتباع الهوى

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. لقد ذكر لنا أمير المؤمنين -عليه أفضل صلوات المصلين- حال أولئك الذين انحرفوا عن الصراط، فقال في وصفهم: “وكل امرئ منهم إمام نفسه”. إن هذه الكلمات ليست مجرد وصف لواقع تاريخي، بل هي تحذير أبدي من مرض “الاستغناء عن الإمام”؛ فمن جعل نفسه إماماً لنفسه فقد هوى في فخ الذم الإلهي، لأن اتباع الإمام والتقرب إلى الله لا يستقيمان أبداً مع الاعتداد بالرأي الشخصي في قبال النص المعصوم.

إن الذي يرى نفسه في غنى عن الإمامة في أي مسألة، فإنه في الحقيقة لا يتم بالنبي المرسل ولا بفعل الوصي، بل يسير على سنن الفراعنة. هؤلاء يأخذون من المحكمات ما يوافق أهواءهم، ثم يتناسون المعروف الذي عرفوه والمنكر الذي أنكروه، متشبثين بقوتهم الموهومة، وهذا هو منبع كل شر يحيق بالإنسان في مسيرته التكاملية.

 

آثار الجور والضلال في الابتعاد عن منهج الحق

  • الجور على النفس والمجتمع:
    إن هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أئمة لذواتهم لا يزالون في حالة من الجور، والجور هو الظلم الذي يتعدى الحدود. فهم يظلمون أنفسهم أولاً بحرمانها من نور الهداية، ثم يمتد ظلمهم ليشمل مجتمعاتهم ووالديهم وإمامهم، بل ويظلمون حتى المستقبل وأولادهم بسلبهم المنهج الحق.

  • تراكم الخطأ والابتعاد عن الصواب:
    هؤلاء الذين يبتعدون عن اتباع الإمام والتقرب إلى الله لن يزدادوا مع مرور الأيام إلا خطأً فوق خطأ. إنهم يطلبون السعادة في غير مظانها، فيصيبون الشقاوة بدلاً من الصواب؛ لأن الحركة بلا إمام هي حركة في التيه، وكلما أسرع الضال في سيره، ازداد بعداً عن المقصد.

  • انعدام الأثر الحقيقي في الأعمال:
    الشيء الحقيقي الذي ينفع الإنسان هو قرب الله، أما بقية الأمور فهي كزبد البحر لا تنفع. إن التقرب إلى الله من خلال الإمام هو الذي يجلب الشفاء والعز؛ لأننا كشيعة نؤمن أن الله ليس غائباً عن خلقه كما ادعى اليهود، بل قربه علم ونور وحياة وقيام.

 

وحشة الغربة عن السنن النبوية وكهوف الشبهات

  • الاستئناس بالخلق والوحشة من الحق:
    عندما يترك الإنسان الاقتداء بالإمام، فإنه يبحث عن أنيس بديل، فيأنس بالأرض أو بالمال أو بالمرأة، وكل ذلك في الحقيقة وحشة. هذا الإنسان يستوحش من ميراث النبي ﷺ ومن سنن العلم والأخلاق، لأنه اعتاد على الحياة المادية الصرفة، فصارت الحياة النبوية بالنسبة له وعرة وصعبة.

  • الوقوع في كهوف الشبهات وعشوات الحقيقة:
    يصف أمير المؤمنين هؤلاء بأنهم أهل عشوات؛ أي أنهم يعشقون الظلام ولا يرون الحقيقة بوضوح. هؤلاء هم كهوف الشبهات، الذين يتساءلون باستنكار عن الشعائر والجهاد والبكاء على الحسين (ع)، متناسين أن الله خلقنا لكي نربح عليه لا ليربح علينا، فهو الغني ونحن الفقراء إليه.

  • ضياع التدبير الإلهي في نظر الغافلين:
    من يعشُ عن ذكر الرحمن، فإنه لا يرى الله مدبراً للعباد والبلاد، بل يرى نفسه هو المدبر لأموره. هذا الضلال هو قمة الشتات والريبة؛ حيث يعيش الإنسان في شك من وجوده ودوره، مقطعاً ارتباطاته بالسماء، فلا يستفيد من عبر طلوع الشمس ولا من بركات آيات الله في الكون.

 

دروس من الطبيعة وتدبير الله في المحن

  • الاعتبار بآيات الله في الشمس:
    انظروا إلى الشمس، هذه الكتلة النارية المحرقة، كيف جعلها الله بقدرته أنفع شيء للحياة. هكذا هو الله، يجعل من الجحيم جنة ومن الفقر غنى؛ فإذا سلم الإنسان أمره لله، فإن الله يبدل ضيق حاله إلى أفضل شيء، تماماً كما جعل النار المحرقة للشمس برداً وسلاماً ونفعاً للخلق.

  • الصبر على المرض والفقر كطريق للقرب:
    إن التسليم للتقدير الإلهي يجعل من أصعب الأيام أمتعها؛ فقد كان الصبر على المرض يثمر قريناً من التعويض الإلهي يفوق الوصف. إن اتباع الإمام والتقرب إلى الله يقتضي الرضا بتقديره، فالله يحول المرارة إلى حلاوة لمن علم أن الله هو المدبر الحقيقي، لا حيلة الإنسان وضعفه.

  • مأساة من وكل إلى نفسه:
    أخطر ما يواجه الإنسان هو أن يكل تدبير أمره لنفسه، فيعيش في شتات كالمسيحيين واليهود والنصارى الذين اعتمدوا على عقولهم المادية. هؤلاء يموتون ميتة ذليلة، ولا تنفعهم أموالهم ولا تدبيرهم، بل يصيرون إلى حفرة لا يزورهم فيها زائر، بينما يجد المؤمن أنيسه في قبره بفضل ولايته.

 

الالتزام بالضوابط الشرعية في العلاقات والحياة

  • أمانة العلاقات وموازين الشريعة:
    الإنسان الذي يجهل قدره يضع أمانته في غير موضعها، فيتزوج دون النظر إلى أصل أو فصل، مضيعاً آداب الزواج النبوية. إن الزواج على أساس موازين الشريعة يمنح الإنسان سنداً إلهياً و”تأميناً ربانياً”؛ لأن الله “الصمد” هو الذي يسند المشاكل التي قد تقع، بخلاف من يتبع السنن الغربية والشرقية.

  • التشبه بالأنعام عند غياب الراعي:
    ما أشبه هؤلاء بالأنعام التي غاب عنها راعيها، فتهيم في البيداء لتكون طعمة للذئاب. إن غياب ارتباط الإنسان بإمام زمانه، الإمام المهدي (عج)، يجعله متروكاً في مهب الريح، بينما الارتباط به يسبب سيادة الإنسان على نفسه واهتمام الإمام بشؤونه في كل صغيرة وكبيرة.

 

النتيجة

إن السعادة الحقيقية تكمن في الخروج من شتات النفس إلى وحدة اتباع الإمام والتقرب إلى الله. إن حياة الزهد والعزة التي عاشها أبوذر الغفاري بفضل اتباعه للنبي ﷺ جعلته أغنى إنسان رغم فقره المادي، بينما صار أعداؤه جيفة على الصراط. تعالوا لنجعل الإمام المهدي (عج) هو السيد على رؤوسنا والمدبر لأمورنا، لنخرج من ذل اتباع الحثالة إلى عز الولاية الإلهية.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه