شمس لاتغيب؛ التمهيد للثورة المهدوية
الحلقة الخامسة والثلاثون:
تأويل آية العذاب وأسباب تأخير الثأر
أيها المؤمنون، دعوني أبدأ بتفسير آية عظيمة ورد تأويلها في كلام أبي عبدِ الله الصادقِ عليه السلام، وهي قولُه تعالى: «ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ». لابدّ أن نعلم أنّ هذه الآية نزلَ تأويلُها في الإمام القائم عجّل الله فرجه، والمرادُ بالعذاب هنا هو خروجُ القائم. فالآية تشير بوضوح إلى أنّ هذا التأخير في الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام، وهلاك الظالمين، ليس إلى يوم القيامة، بل هو إلى يوم خروج خليفة الله المنتظر. والأمّةُ المعدودةُ التي ستُنفّذ هذا العذاب وتأخذ بثأر الحسين هي أهلُ بدرٍ وأصحابُه، وعدّتهم ثلاثمئة وثلاثة عشر.
إنّ السبب الحقيقي وراء تأخير هذا الانتقام المقدس، هو أنتم أيها الشيعة! إنّه بسبب عدم استعدادنا وتهيُّئنا. إنّ هذه المهمّة هي وظيفتكم؛ فالاستعدادُ المطلوب ليس مجرّد زواج أو بيت ومال، بل هو التهيّؤ النفسي والروحي، بأن نكون على أتمّ التهيّؤ للانطلاق، لا يعزّ عندكم نوم ولا يعزّ عندكم عافية في سبيل إمامكم. يجب أن تنضمّوا ضمن هذا الجمع المبارك، وأن لا يصحّ أن تفكّروا بمفردكم، بل يجب أن تنضمّوا إلى خِزانه وجمعه الذي سيّدُهم المهدي، لتكونوا من أهل التمهيد للثورة المهدوية.
الاستعداد الروحي والتعاطي مع حواجز الولاية
التهيؤ النفسي وترك ذرائع التثاقل
إنّ الوصول إلى هذا اليوم العظيم يقتضي عمليّاتٍ وجهوداً لا تنقطع منا؛ ازداد تأثّر النبيّ صلى الله عليه وآله بسبب تأخّر الظهور. فقد شيّبته سورة هود التي طرحت موضوع تأخير ظهور الإمام المهدي وتأخير الانتقام لفاطمة والحسين، وذلك لسبب رئيسي هو عدم اجتماع المجموعة المطلوبة. لذا، علينا أن نتجنّب كلَّ حائلٍ يحجبُنا عن هذا التمهيد للثورة المهدوية.
-
مواجهة حجاب المرض والفقر: بعضُ الناس يحجبهم المرض عن أداء الواجب، كذاك الرجل المريض الشايب الذي أصرّ أن يُحمَل على خشبة ودّوني المدينة ليقوم بأمر الله، فمدحه الله. في المقابل، نجد اليوم من يتحجّج بالمرض لترك الزيارة أو الأربعينيّة. وآخر يحجبه الفقر، وثالث يحجبه الجهل.
-
الصلاة صمام الولاية: من أشكال الحجب الخطيرة، التحجّج بالوقت في الصلاة. إنّ الصلاة مرتبطةٌ بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام؛ ولذلك صُنِّف بعضُهم خارج دائرة الولاية. إقامةُ الصلاة هي إقامةُ ولايةِ عليّ، فعلى الجميع أن يلتفتوا إلى هذا الصمام في التمهيد للثورة المهدوية.
الأركان العملية للنهضة المنتظرة
تضخيم القضية الحسينية وإعداد القوة
إنّ التمهيد لا يكون فقط بالاستعداد النفسي، بل هناك أركان عمليّة يجب تحقيقها لضمان القيام. ومن أهم هذه الأركان ما يتعلق بولاية الإمام المهدي، التي شعارها: «يا لثارات الحسين».
-
الحسين صريعُ الدمعة وإعلان الثورة: راية الإمام المهدي هي لثارات الحسين، وهذا يُحتّم علينا أن نُضخّم القضية الحسينيّة على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع. يجب أن توجد حرارةٌ وإعلامٌ يُعلن للعالم أجمع: «يا أهل العالم، الحسينُ قتلوه ظلماً!». إنّ إعلانَ الثورة الحسينيّة هو تمهيدٌ للثورة المهدويّة. ومن أعظم أدوات هذا التمهيد هو البكاءُ على الحسين، فهو ليس عملاً عاطفيّاً فقط؛ إنّه عملٌ إعلاني أسّسته الزهراء عليها السلام، فالحسين صريعُ الدمعة، قُتِل لكي نبكي، ولكي يبكي المهدي أيضاً.
-
الإعداد المادّي والماليّ والجهاد: قضية التمهيد للثورة المهدوية تشمل الإعداد الشامل للقوة. فالله تعالى يأمرنا: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. هذا الإعداد يشمل إعدادَ المجنّ والتُّرس والسلاح الحديث. كذلك، فإنّ جمعُ الأموال أحدُ أدوات التمهيد للدولة المهدويّة، فبالأموال تُشترى الأسلحة والجنود وتُجهّز المؤونة.
نبذ الاعتماد على السند البشري والتمسّك بالله
يلزم في هذا الطريق الحساس تهيئة القلوب بأن تكون نظيفةً، وألا نميل لكلّ أحد، وأن ننبذ الاعتماد على السند البشري غير المنصر للحق. هذا هو جوهر طريق التمهيد للثورة المهدوية.
-
التحذير من التطبيع والسند غير الإلهي: يجب ألا نربط أرزاقنا واعتمادنا باليهود أو بالحكومات التي تُسمّى إسلاميّة وهي لا تحمل من الإسلام شيئاً. هذا هو التطبيع الذي يريدون به أن يكون اليهودُ ظهراً وسنداً لنا. إنّ الله الصمد هو السند الحقيقي، وهو خليفة الله، لا أحد سواه.
-
نزع الاعتماد وتحمّل الخسارة: يجب ألا نتّخذ أيَّ حكومةٍ ليست ناصرةً لسنن النبي سنداً لنا، فقد رفض الإمام الحسين عليه السلام مالَ رجلٍ مسلمٍ لم يكن ناصراً له. اليوم يجب أن نخلع الاعتماد عن أنفسنا، وننزع السند البشري. نعم، سنخسر كثيراً من الصداقات والامتيازات، لكن في المقابل التعجيل في الانتقام من بني أميّة، وتحقيق أخذِ ثأر فاطمة؛ وذلك وحده يكفي.
النتيجة
إنّ التمهيد للثورة المهدوية يتطلّب حركةً شاملةً متكاملة: تبدأ بالاستعداد النفسي والروحي وتجاوز الحواجز كالمَرَض والجهل والصلاة، وتنتقل إلى تضخيم القضية الحسينيّة إعلامياً وروحياً كشعار للثورة، وإعداد القوة والأموال، ثم تختم بتهيئة القلب وتجريده من الاعتماد على أيِّ سندٍ غير الله تعالى. كلُّ تضحيةٍ في هذا الطريق تقرّبنا من تعجيلِ الظهور وأخذِ ثأر الزهراء والحسين عليهما السلام.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”