شمس لاتغيب؛ الثبات على ولاية المهدي
الحلقة الثلاثون:
المحور الأول: الثبات على الإمامة في زمن الأهواء والمناهج الدخيلة
نحن اليوم أمام خطاب يضيء على أهمية قصوى في زمننا هذا، ألا وهي الثبات على القول بإمامة الإمام المهدي (عج) والاقتداء بسننه ومنهجه. وقد استشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مُبشراً بـ “القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً”. إن الموضوع الذي نؤكد عليه اليوم هو ما قاله النبي (ص) مُقسماً بالحق: “أن الثابتين على القول في زمان غيبته لأعزُّ من الكبريت الأحمر“. ما هو الموضوع؟ إنه الثبات على ولاية المهدي ومنهجه.
إن الإنسان في مسيرة حياته اليومية يتعرض لغواية المناهج المستحدثة والأهواء المُتغيرة التي تُصرف الأتباع عن المنهج الثابت الأصيل الذي جاء به الأئمة. نرى خروج صيحات تدعو لاتباع أساليب جديدة في الفهم والحياة؛ فقد يُصدر منهج جديد في الحوزة يدعو لدراسة الفلسفة لفهم الثقلين، أو يخرج من يدعو إلى منهج العرفان، أو تظهر اتجاهات سياسية تدعو إلى تبني المناهج الغربية في إدارة البلاد كالجمهورية ورأي الأكثرية. هذه التحولات المستمرة هي التي تجعل الثبات على ولاية المهدي حقيقة نادرة، ولهذا قيل إن من يلتزم بها هو “أعزُّ من الكبريت الأحمر”.
المحور الثاني: تحدي المناهج الدخيلة ورفض سلطة الأكثرية
- الأقلام المسمومة وتجارب البشرية في مواجهة الثقلين:
إن الثبات على سنة الإمام المهدي ومنهجه يتطلب مجابهة حقيقية للمناهج الدخيلة. أرى اليوم بعض الأقلام المسمومة التي تُعظّم وتبدِّل تجارب البشر ومناهجهم، وتتخذها سبيلاً لنيل معالم كتاب الله وعترته (الثقلين). لقد أُخترعت مناهج جديدة لفهم الثقلين لم تكن معروفة في زمن آباء الإمام المهدي وتلامذتهم. إن هذه المناهج الدخيلة، سواء كانت فلسفية تدّعي أن فهم الحديث متوقف على دراسة الفلسفة، أو سياسية، كلها تصطدم مع أصل ثابت في ديننا وهو أن الحكم لله وحده.
- نقد المناهج السياسية الغربية ورأي الأغلبية:
إننا نرى المناهج السياسية الغربية تُتخذ الآن على أنها المُثلى لإدارة البلاد، كمنهج جمهورية رأي الأكثرية، متناسين أن الله يذم الأغلبية في كتابه: “وأكثرهم لا يعقلون}” و “أكثرهم لا يعلمون}”$. فهل هذه الأغلبية هي من خلق العباد والبلاد؟ هل هي من أجرت الأنهار أو ثبتت الجبال؟ إن السيادة لله، وملكنا هو المهدي (عج) المنصوب من قِبله تعالى. إن الثبات على ولاية المهدي يعني رفض هذا التوجه الدخيل.
- ولاية النجف مثالاً على رفض حكومة الأكثرية:
إن العجيب والمضحك في آن واحد، هو أننا ندّعي حبنا للمهدي، وفي ذات الوقت نرضى بحكومات تحكم برأي الأكثرية أو بالديكتاتورية. إن الذي يقول بـ “الملكية لله” يجب أن يصدم كل أشكال الحكم الأخرى. إن التمسك بـ ولاية المهدي سلام الله عليه يتطلب منّا أن نبرأ من أي حاكم آخر، فـ ولاية النجف يجب أن تبرأ من أي حكومة تحكمها رأي الأكثرية. نحن ندور حول العاجلة ونُعطي الأولوية لما يبلِّط الشوارع ويرتب الأوضاع الآنية، بينما نَذَر وراءنا يوماً ثقيلاً، ويبقى الإمام المهدي مظلوماً ومنزوياً عن حقه وولايته وسلطانه.
- المعرفة وإحياء سيرة علي بن أبي طالب (ع)
إن أول طريق للاعتراف بالإمام المهدي هو المعرفة: هل المهدي (عج) يستحق الحكم في العباد والبلاد؟ إن منهج المهدي هو إحياء سيرة علي بن أبي طالب (ع)، وتطبيق قوانين القرآن والثقل الأصغر. ولكن عقولنا تفضل الحياة الحاضرة ومناهجها الغريبة على تلك الحياة. إن الإقرار بأن “بقيّة الله خير لكم” لا يستسيغه عاقل يفضل سنن هذه الحياة الزائلة على سنن علي (ع). الثبات على ولاية المهدي هو الطريق الوحيد لتقريب رؤيتنا مع رؤية القرآن والإمام.
المحور الثالث: الأممية المهدوية وصناعة العاشق
- اقتلاع فكرة الحدود الوطنية والاعتزاز بالعلم المهدوي:
إن سُنن المهدي (عج) تقتلع كل ما هو دخيل، ومنها الحدود الوطنية المصطنعة. ما معنى الوطنية؟ نحن إخوان مع كل شيعي مضطهد في كل مكان، ولا نعتز بالعلم العراقي أو الإيراني، بل يجب أن نعتز بالعلم المهدوي الذي يشمل كل الشيعة تحت رايته. يجب أن نزيل الحدود ونذهب إلى الأخوة والسواسية؛ فدمنا كلنا أحمر، وكل العباد عبيد الله إخواننا، ولا نمتاز عليهم بجواز سفر أو وطنية. هذه هي الأممية الحقيقية التي يجب أن تُغرس في نفوس أطفالنا لـ الثبات على ولاية المهدي.
- ضرورة صناعة العاشق قبل صناعة الناصر:
إننا نُحب الإمام الحسين (ع) ونزوره، ولكننا لا نقبل بثوابته ونقبل بسنن معاوية، خوفاً من انقطاع الرواتب أو خسارة منافع الدنيا. إننا بحاجة إلى “صناعة العاشق” قبل “صناعة الناصر”. يجب أن نعشق الإمام المهدي (عج) بصدق لدرجة الجنون، فمن وصل إلى منزلة الحب والعشق أتاه الله كل شيء. كيف نعشقه؟ يكفي أن نسمع وصفه، ونسمع قصته وصفاته، فهو حقيقي على الأرض، وليس بطلًا خيالياً. الثبات على ولاية المهدي هو صناعة هذا العشق.
- الثبات منظم للحياة والتمحيص الإلهي:
إن الثبات مع الإمام المهدي سلام الله عليه، مخل بالحياة الظاهرة، لكنه في الحقيقة منظم للحياة وجامع للأمة على حبل الله المتين. لقد قال النبي (ص) لجابر: “إن هذا لأمر من أمر الله، وسر من سر الله مطوي عن عباده، فاحذر الشك في أمر الله، فهو كفر”. إن الله يُمحص ويبتلي في زمن الغيبة؛ “وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين”. الثبات على ولاية المهدي هو المقياس الوحيد في هذا التمحيص الإلهي الذي يستخلص المؤمن.
النتيجـة
إن الثبات على ولاية المهدي (عج) والاقتداء بسننه ليس خياراً بل ضرورة، وهو حقيقة نادرة لا يطيقها إلا القليل، ولهذا فـ “الثابتين لأعز من الكبريت الأحمر”. هذا الثبات يتجسد في رفض المناهج الدخيلة وحكومة الأكثرية والحدود الوطنية المصطنعة، والسعي لـ صناعة العاشق الذي يفضل بقية الله وسنن علي (ع) على كل منافع الدنيا. اللهم نبهنا من نوم الغافلين، وثبتنا على ولاية أمير المؤمنين، وعرفنا نفسك.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”