الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته يمثل جوهر الهوية المهدوية التي تربط المؤمن قلبيًا وسلوكيًا بنهج أهل البيت عليهم السلام لنيل الفوز العظيم.

شمس لاتغيب؛ الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته؛ الحلقة 27

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته

الحلقة السابعة والعشرون:

منزلة المهتمّين بالإمام المهدي في غيبته

أحبابي في الله، لا شيء يضاهي الفوز الأعظم الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته. لقد بلغنا عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو يهتمّ به في غيبته.» هذه الكلمة “طوبى” تحمل في طياتها المعنى الأسمى للنجاة والكمال؛ إنها ليست مجرد فوز عابر، بل هي شجرة في الجنة، أصلها الكريم في بيت أمير المؤمنين عليه السلام، ومن تعلّق بغصن منها حُمِل إلى الجنة بكرامة وعزّ. فمن أدرك المهدي ونال رضاه وكان شيعياً مخلصاً، غير تابعٍ لغيره من المناهج المنحرفة، فقد نال حظاً عظيماً وفاز الفوز الكبير.

إن إدراك الإمام المهدي لا يتأتى من مصادفة زمنية محضة، بل هو حالة قلبية راسخة وسلوك قويم. يدركه المؤمن الصادق قبل قيامه المبارك، ويحتل محبته وعظمته سويداء قلبه، فيتولّى أولياءه ويعادي أعداءه بصدق وثبات. الثبات على هذه الولاية والعداوة هو العلامة الفارقة، وأولئك هم في حقيقة الأمر أحباب رسول الله صلى الله عليه وآله؛ هؤلاء هم من خصّهم بـ «رفقائي وذوي مودّتي.» وهذا هو مفتاح البحث في الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته.

 

حقيقة الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته

إن حقيقة الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته تتجاوز الجلوس في مجلس الذكر أو الاكتفاء بالحبّ الشفوي والكلمة العابرة. بل هي مودّة راسخة وحقيقية تُترجم بالفعل والمواقف التي تتجلّى في الحياة. من أحبّ بالعين أو بالكلمة فقط فذلك حبّ ناقص، أما من أحبّ بالفعل وتفقد أحوال المؤمنين من إخوته ورفقائه فهو صاحب مودّة أصيلة، وهو الذي يستحقّ أن يُخصّ بالمحبة النبوية والولاية الإلهية.

  • الارتباط القلبي والاقتداء السلوكي:

يتحقق هذا الاهتمام بأن يعيش الشيعي الصادق بفكره المهدوي في كلّ صغيرة وكبيرة من حياته اليومية. إن هذا هو الاهتمام الحقيقي الذي يجعل صاحبه من أكرم أمّة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة، متجاوزاً بذلك فضيلة الكثير من المصلّين والحجاج والمجاهدين. الأكرم هم الذين يهتمّون بالمهدي، ويبحثون عنه بقلوبهم، ويسألون عنه، ويعيشون بفكره وقِيَمه. هذا الارتباط القلبي يوجّه السلوك حتى في أبسط الأمور، فالمؤمن قد يركب سيارته ويقول في نفسه: “اللهم صلّ على المهدي، عسى أن يركب مثلها في زمننا”، أو يترك معصيةً قائلاً: “لأجل المهدي أترك هذه المعصية، لأن المهدي لا يفعلها.” هذا هو الارتباط الصادق الذي يجعله يقتدي حتى بظنّه، كأن يقول: “المهدي لا يدخّن، إذن أنا لا أدخّن.”

  • الهويّة المهدوية والتعامل مع الحياة:

يجب أن يكون فكر الشيعي فكراً مهدوياً اقتدائياً متصلاً بالإمام في مأكله ومشربه ولباسه وعمله. علينا أن نفكّر في كل موقف: “لو كان الإمام المهدي مكاني، كيف يتصرّف؟” كما كان أمير المؤمنين عليه السلام يسقي الماء بيده دون تكبّر. إن العقل المهدوي هو عقل اقتداء حقيقي وانتماء مخلص لحزب الإمام. يعيش الإنسان بهويّة مهدوية متكاملة، بحيث يكون “رأيُهم رأيي، وأمرُهم أمري”، كما وصف الإمام الحسين عليه السلام أصحابه. هذا الإنسان المهدوي يفكر في إمامه في كل لحظة، ويهتم بأموره، بدينه، بمذهبه، وبكيفية أكله وشربه وعبادته، وهذا من صميم الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته.

 

الاقتداء بالأئمة السابقين والتميّز عن غيرهم

إن الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته يشتمل بالضرورة على الاقتداء بسير جميع الأئمة الطاهرين من قبله؛ فالسيرة واحدة، والطريق واحد. لقد أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى هذا المعنى العميق بقوله عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «طوبى لمن أدرك القائم من أهل بيتي، وهو يهتمّ به في غيبته، ويقتدي بالأئمة من قبله.» فمن أحبّ أهل البيت فليقتدِ بهم، يصوم مثلهم ويفطر مثلهم، ويصوم الاثنين والخميس كما كانوا يفعلون، والأهم هو أن يتبرأ من أعدائهم.

  • منهج أهل البيت في العبادة والتميّز عن التصوّف:

هذا الطريق الواضح يختلف جذرياً عن طريق من يدّعون الزهد والولاية من غير أهل البيت، وهم “الصوفية”. طريقتنا ليست طريقة التصوّف والرقص والتهويم، ولا نطلب نتائج دنيوية أو مكاشفات كما يطلبها أهل التصوّف، ولا نتبع شمس التبريزي أو الرومي ممن قال فيهم الهادي عليه السلام: طريق الصوفية غير طريقنا. بل طريقنا في العبادة هو القيام والدعاء والتهجّد كما ورد في محكم التنزيل: «وَقَلِيلٌ مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.» فنحن ننام قليلاً ثم نقوم للدعاء، كما كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام.

  • الولاء والبراءة كأساس للرفقة المهدوية:

نحن الشيعة نسلك طريق الولاية والاقتداء، ونحيي ذكر الأئمة الطاهرين، ونتبرأ من أعدائهم. إن الإمام صريح في قوله: «من تبرأ إلى الله من أعدائهم أولئك رفقائي.» هذا الولاء والبراءة هو الميزان الحقيقي للانتماء.

 

النتيجة

إن الاهتمام بالإمام المهدي في غيبته يضع صاحبه في منزلة رفيعة جداً، تفوق الكثير من الأعمال الصالحة والمنازل العظيمة. قال الإمام في ذلك: «وأكرم أمّتي عليّ يوم القيامة، أكرم من المجاهدين، ومن الصائمين، ومن المزكّين، ومن المتصدّقين، ومن الواصلين لأرحامهم.» هؤلاء هم الذين يفكرون فيه ليل نهار؛ في كيف يقوم، كيف يقعد، كيف يأكل، متى يصوم، متى يفطر، وكيف يجلس في مجلس العلم. فمن أصاب رؤية المهدي في الدنيا أو لم يصبها، فقد أصاب مودّة رسول الله صلى الله عليه وآله وحبّه واتباعه.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه