شمس لاتغيب؛ الولاية والإمامة
الحلقة السادسة والعشرون:
الولاية والإمامة: حقيقة إتمام الدين وتمام النعمة
إخوتي وأخواتي، إنَّ المتأمل في كتاب الله الكريم لا يجد مجالاً للشك أو الإنكار في حقيقة خالدة بيَّنها ربُّنا تبارك وتعالى في محكم آياته، حين قال: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا”. وهذه الآية الكريمة ليست مجرد خبر، بل هي إعلانٌ لتمام رسالة السماء، وبيانٌ واضح بأن إتمام الدين وكماله وتمام النعمة الإلهية لا يتم إلا بالإقرار بـالولاية والإمامة التي اصطفاها الله تعالى وجعلها متجسدةً في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآله الأطهار.
إنَّ كمال الدين ليس مقتصراً على أداء الفرائض والعبادات فحسب، بل هو في تمسُّك الإنسان بكل معالم الدين التي أوضحها وبيَّنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للأمة. فالنبي الأكرم لم يترك شيئًا من أصول الدين وفروعه إلا وقد أشار إليه وأوضح لهم سبل النجاة، وسار بهم على الصراط المستقيم. لقد كان بيانه للناس شاملاً وعملياً، يغطي كل ما يخصّ حياتهم الدينية والدنيوية، وهذا البيان العملي اكتمل بتنصيب من يليهم.
مقامات الإمام: الكمال في كل شيء والمرجعية للأمة
إننا عندما نتحدث عن الإمام، فإننا لا نتحدث عن شخص عادي، بل عن شخصية تمتلك الكمال في كل شيء. الإمام هو الشخص الذي يتمتع بأقصى درجات الإتقان في كل تصرُّف، من الملبس والمأكل والمشرب، حتى في اختياراته السكنية والحياتية.
- الإمام علي (عليه السلام) مثالاً في الإتقان والاختيار:
ولقد كان الإمام علي (عليه السلام) مثالاً يُحتذى به في هذا المجال. فلننظر إلى اختياره لمدينة النجف، التي لم تكن مجرد مكان للسكن، بل أصبحت مركزاً علمياً وروحياً يُستقى منه العلم والهداية إلى يومنا هذا. هذا الاختيار لم يكن اعتباطياً، بل كان يعكس عُمق بصيرة الإمام وإتقانه.
- الإمام هو المرجع والحاكم العادل “للأمة”:
لقد أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليًا (عليه السلام) من بعده ليكون مرجعاً للأمة. إنَّ هذا المرجع لا يقتصر دوره على الجانب الروحي فحسب، بل يتعداه إلى حل المشكلات في مختلف جوانب الحياة: الاجتماعية والاقتصادية، وحتى القضايا الزوجية. كان الإمام هو الحاكم العادل الذي يعود إليه الناس لفضِّ نزاعاتهم، وإرشاده إلى الصواب، وإخراجهم من الضياع.
الأدلة القرآنية على الولاية والإمامة كمنصب إلهي
أيها الأفاضل، إنَّ من يزعم أن الله تعالى لم يكمل دينه، فقد ردَّ صريحَ كتاب الله، لأنه جلَّ وعلا قد أعلنها بوضوح: “اليوم أكملت لكم دينكم”. ومن يرفض هذا التمام والكمال المتمثل في الولاية والإمامة، أو يعترض عليه، فإنه يردُّ جزءًا من القرآن، وهذا كما تعلمون كفرٌ بتكامل الدين.
- الإمامة هبة إلهية لا اختيار بشري:
إنَّ مفهوم الإمامة في الشريعة الإسلامية ليس أمراً قابلاً للاختيار من قِبل الأمة أو يخضع للأهواء البشرية. بل هي هبة ومنصب إلهي بامتياز، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى مُخاطباً نبيه إبراهيم (عليه السلام): “إني جاعلك للناس إمامًا”. وقد أشار الله تعالى بهذا إلى مقام الإمام، وهو مقام عظيم لا يرتقي إليه إلا من اختاره الله تعالى واصطفاه لهذا الدور.
- الإمامة اصطفاء ربَّاني لـ آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):
إنَّ الإمام علي والإمام الحسين (عليهما السلام) هما صاحبا مكانة رفيعة لا يمكن لأحد أن يُساويهما أو يدرك عظمة شأنهما بالكامل. ولهذا لا يمكن للناس أن يختاروا إماماً بناءً على ميولهم، بل إنَّ الولاية والإمامة هي منصب مُخصص لـ آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ منصبٌ إلهي لا دخل لإرادة الإنسان في تحديده. وقد أكد الله عز وجل هذا الأمر في قصة نبينا إبراهيم الخليل (عليه السلام) حين قال: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا”، مما يؤكد أن الإمامة اصطفاءٌ إلهي وتعيين ربَّاني.
النتيجة
إنَّ الولاية والإمامة ليست مجرد قيادة سياسية أو منصب اجتماعي، بل هي ركن الدين المتمم والمنصب الإلهي الذي يعيّن الله تعالى عليه من يشاء من عباده. فلا يجوز لأحد أن يطعن في هذا المنصب أو يزعم أن الدين لم يكتمل إلا من خلاله. النتيجة النهائية هي أن الإيمان بكمال الدين لا يتم إلا بالتسليم لـالولاية والإمامة التي أتمَّ الله بها نعمته علينا. نسأل الله تعالى أن يثبّتنا جميعاً على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأن يعيننا على التمسك بهداه، وأن يجعلنا من الذين يقتفون آثارهم ويسيرون على صراطهم المستقيم.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”