شمس لاتغيب؛ مواجهة نهج بني أمية
الحلقة السادسة والثمانون:
نبوءة الحسين (ع) وحتمية زوال الظلم
أحبتي وأعزائي، دعونا نفتح قلوبنا ونتأمل بعمق في هذا الحديث العظيم الذي وصل إلينا عن ريحانة رسول الله، الإمام الحسين عليه السلام. يُروى أن الحسين (ع) مرَّ ذات يوم على حلقة من بني أمية وهم جلوس في مسجد الرسول الأكرم، فنظر إليهم وتحدث بلسان اليقين الذي لا يخالطه شك، فقال قولاً يهز الوجدان ويرعب عروش الطغاة: «أما والله لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله مني رجلاً يقتل منكم ألفاً، ومع الألف ألفاً، ومع الألف ألفاً».
إن هذه النبوءة الصادقة ليست مجرد وعيد عابر، بل هي قانون إلهي ينبئ بأن هذا العالم لن ينتهي حتى يظهر ذلك الرجل الإلهي الذي يقتص من الظلم والجور بكل أشكاله. وعندما يتحدث الحسين (ع) عن قتل “ألف وألف وألف”، فهو يرسم لنا ملامح مستقبلية يكون فيها العدل هو الغالب. إن الدنيا باقية، والشمس ستستمر في الشروق والغروب، ولكنها لن تشرق إلا لتكشف ذلَّ بني أمية وانكسار مشروعهم المظلم. هذا الذل الذي وعد به الإمام ليس ذلاً عادياً أو فقراً مادياً، بل هو ذل الاستئصال بالموت والقتل، جزاءً وفاقاً لما اقترفته أيديهم الأثيمة بحق الدين والإنسانية، ليعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فلسفة الانتماء والوراثة المنهجية: “مولى القوم من أنفسهم”
-
الزاوية الجديدة في الفهم المهدوي العميق:
إن مقتضى مواجهة نهج بني أمية يتجلى في فهم تلك القاعدة النبوية التي استشهد بها الحسين (ع): «مولى القوم من أنفسهم». قد يتساءل البعض، كما سأل الراوي حينها باستغراب: “جُعلت فداك، إن هؤلاء وأبناءهم لا يبلغون هذا العدد، فمن أين يأتي كل هؤلاء الألوف؟”. هنا يفتح الإمام آفاقاً جديدة للفهم؛ فالمعركة ليست مع أفراد بيولوجيين انتهوا بموتهم، بل مع “منهج” يتناسل عبر القرون. إن من سيقتلهم المهدي (عج) هم أولاد بني أمية بالمعنى السلوكي، فكل من يسير على خطى معاوية أو يتمثل أفعال يزيد فهو نازل منزلة أنفسهم، وهذا هو جوهر مواجهة نهج بني أمية في كل عصر ومصر. -
اللسان كعنوان للانتماء الروحي والعملي:
إن لسان المرء هو البريد الذي يكشف عن طينته وانتمائه الحقيقي؛ فإذا رأيت أحداً يمجّد الظلم، أو يثني على قتلة أهل البيت، أو يدافع عن الذين خرجوا بالسيف ضد علي عليه السلام في الجمل، فاعلم يقيناً أنه “من أنفسهم“. إن هذا الشخص، بمدحه وتأييده، يضع نفسه في خندق معاوية وأبي سفيان، ولو عاش في زمننا هذا. لذا، فإن موقفنا اليومي ليس موقفاً حيادياً، بل هو قتال مستمر ضد هذا النهج بكلماتنا ومواقفنا، ننتظر فيه إذن الظهور المقدس للإمام المهدي (عج) ليقود هذا التحول العظيم ويطهر الأرض من دنس الموالين للظلم. -
استعارة الخضر وبخت نصر في قراءة المستقبل:
تذكرنا هذه الحقيقة بقصة الخضر عليه السلام حين قتل الغلام؛ لقد رأى فيه روح الجبارين قبل أن يمارسوا الجبروت. قال إن هذا الطفل سيصبح مثل بخت نصر في أفعاله وأعماله. وهكذا هو الحال في مواجهة نهج بني أمية؛ فالمهدي (عج) يواجه أرواحاً وأفعالاً تجسدت في أجساد جديدة لكنها تحمل ذات الطينة الأموية. إن هؤلاء “العبيد” لشهواتهم وسادتهم الظلمة هم من نفس طينة معاوية، وتمجيدهم ليزيد اليوم هو امتداد لذات السيف الذي ذبح الحسين في كربلاء، مما يجعل استحقاقهم للعدل الإلهي حتمياً ومقدراً.
شرطية الانتصار وأولوية “أولو الأرحام” في القضية المهدوية
-
الثمرة الحقيقية في راحة نفس الإمام المهدي (عج):
يجب أن ندرك أن قتالنا مع هذا النهج ليس مجرد صراع عسكري لنيل مغانم، بل هو موقف وجودي مشروط بإذن الله للإمام المهدي (عج). إن الانتصار الحقيقي ليس في كثرة القتلى، بل في نضوج الثمرة التي تؤدي لإقامة حكم الله وراحة نفس الإمام. نحن نتساءل: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ والجواب: نعم، إذا ظفر المهدي وأُقيم حكم الله، صرنا فداءً لذلك الهدف. في معاركنا الحالية، قد ننتصر في جولة، لكن المهم هو متى تسكن نفس الإمام ويرتاح من الأذى؟ وهذا لن يكون إلا في اليوم الموعود الذي يؤذن فيه للذين ظُلموا بأن الله على نصرهم لقدير. -
أولوية الحياة والولاء في كتاب الله:
ننتقل لإشراقات الإمام السجاد (ع) الذي فسر قوله تعالى: «وأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» بأنها نزلت فيهم. إن مواجهة نهج بني أمية تقتضي أن يكون “مهدي الأمم” هو أولوية حياتك المطلقة؛ أغلى من الآباء والأمهات والعشائر. إن مشروع المهدي وراحته ورأيه يجب أن يشغل قلبك كلياً. أين يتبيّن صدق هذا الولاء عند الشيعة؟ انظروا لزيارة الأربعين؛ كيف يترك المؤمنون أرحامهم وعوائلهم ليلتحقوا بركب الحسين (ع). إنها “كلمة باقية” في عقب الحسين، وهي التعبير الإلهي الوحيد الذي يجب أن تذعن له القلوب. -
الثبات على اليقين في مواجهة فتنة الارتداد:
يحذرنا الإمام السجاد (ع) من طول أمد الغيبة الذي سيؤدي لارتداد الكثيرين. لماذا يرتد هؤلاء؟ لأنهم يفقدون “الاضطرار” للإمام ويبحثون عن الأمان والرزق عند غيره. ترون الناس اليوم يوالون الحكام والجمهوريات القائمة لأنهم يظنون أن “فلان” يعطي الأمان أو الأرزاق. إن مواجهة نهج بني أمية في زمن الغيبة تعني الصمود بوجه هذا الارتداد المعنوي، فالمفزع الحقيقي هو رسول الله وخلفاؤه، لا الأنظمة السياسية. من يثبت هو فقط من قوي يقينه وصحت معرفته، وأدرك أن المهدي هو “المؤمن” الوحيد المنصوب من الله ليعطي الأمان الحقيقي للأرض.
مقامات النورانية وسلاح الرعب في مواجهة الطغيان
-
المعرفة بالنورانية كمفتاح للنجاة من الشرك الخفي:
إن معرفة الإمام المهدي (عج) بنورانيته هي المفتاح الحقيقي للنجاة. للأسف، يقع الكثيرون في “الشرك الخفي” حين يجعلون للأئمة مقاماً عادياً مثل الفقهاء أو المراجع أو الآباء، وينسون أنهم خلفاء الله المطلقون. إن مواجهة نهج بني أمية تتطلب الاعتراف بمقامات الإمام؛ فإذا اعترفت به كـ “ولي للشفاء” أو “ولي الله الناصر”، فإن الله يأذن له أن يتجلى لك بهذا المقام. إن خضوعنا لمقاماته النورانية هو الذي يربطنا بنور العقل والحكمة والتدبير الذي نحتاجه في تفاصيل حياتنا اليومية. -
هيبة الصرخة المهدوية أمام الترسانات الحديثة:
قد يتساءل البعض: ماذا يفعل رجل واحد، بلا جيش نظامي أو مال، أمام القنابل الذرية والهيدروجينية والأسلحة الكيميائية؟ الجواب هو في “الصرخة“. تلك الصرخة المروعة، المليئة بالهيبة، التي ستقذف الرعب في قلوب الأعداء وتجعلهم يفرون ويتركون عتادهم وأسلحتهم، بل وحتى أحذيتهم من شدة الفزع. إن سلاح الإمام ليس مادياً فحسب، بل هو نور النصرة الذي يعجز عنه كل سلاح بشري. إن اعترافنا بقدره وشأنه النوراني هو الذي يربحنا في هذه المعركة، ويجعلنا نلوذ به كأهل ومحل لقضاء الحاجات. -
الاستجابة لنداء الانتظار الحقيقي:
إن خطاب الانتظار يفرض علينا تصحيح المعرفة؛ فمتى ما صحت معرفتك نلت الربح. إن طول الأمد وأحداث الأمور قد تخرب القلوب، والشرك في مقامات الإمام هو أخطرها. يجب أن نصبر صبراً ممزوجاً باليقين، ليس فقط على البلاء، بل صبراً يثمر معرفةً لا تضيع. إن الإمام المهدي (عج) هو الذي سيخلصنا من مشاكلنا، وعلينا أن نكون على ثقة تامة بأن معرفتنا بمقامه وتوسلنا به، كالسائق الذي أوقف سيارته لرجل في الطريق، هي السبيل الوحيد لإدراك النور الذي لا يخبو.
النتيجة
إن الغاية من كل هذا الحديث هي العودة إلى “الكهف الحقيقي” الذي ذكره القرآن الكريم: «إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا». القرآن صادق، ويدعونا للجوء للمهدي (عج) لنجد عنده الرفق والسهولة في أمورنا. إن مواجهة نهج بني أمية تتطلب أن لا نشرك بالإمام أحداً، لا أطباء ولا حكاماً، بل نلوذ به كسفينة نجاة وحيدة. اصبروا على المصاعب، وتيقنوا أن معرفتكم وثباتكم على ولايته سيؤدي في النهاية لراحة الإمام وقيام حكم الله، حيث تنعم جماعة المؤمنين بنور إمامهم في يوم لا ينفع فيه إلا من أتى الله بقلب سليم موالٍ.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”