طاعة الإمام المهدي واجب شرعيّ يقتضي نبذ الأوثان والميل إلى حكّام الزمان؛ فهو السلطان الحقّ في الغيبة.

شمس لاتغيب؛ طاعة الإمام المهدي وولاية الغيبة؛ الحلقة 31

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ طاعة الإمام المهدي وولاية الغيبة

الحلقة الحادية والثلاثون:

الإمام المهدي: الامتداد النبوي والتأسيس لـطاعة الإمام المهدي

أيها المؤمنون، لقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى حقيقة عظمى في قوله الشريف والجامع: «القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنّته سنّتي». إنّ هذا الحديث ليس مجرّد وصف عابر، بل هو في جوهره تأسيسٌ للعلاقة الشرعية التي يجب أن تحكم الأمّة بعد النبيّ الأعظم. إنّه يدعونا إلى التدبّر العميق في أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو الامتداد الحقيقيّ والمتكامل للنبيّ في السيرة والسُنن والأخلاق. فمسيرته الشريفة في إقامة شريعة الله، وإحياء سنّته المباركة، هي حجر الزاوية في فهم الدور الإلهيّ للإمام، فهو يسير على خطاه تماماً في كلّ شأن.

إنّ جوهر هذا الحديث الشريف يكمن في ربط مصير الأمّة ونجاتها بـ طاعة الإمام المهدي. فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال بوضوح لا لبس فيه: «من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني». هذا النصّ الجليل يرفع منزلة الإمام إلى مستوى الطاعة المطلقة للرسول، ويؤكدّ لنا أن الإيمان الحقّ لا يتحقّق ولا يكتمل إلا بولايته والالتزام الصادق بأمره.

 

سلطان الغيبة: الإيمان الحقّ ونبذ الطواغيت

إنّ مفهوم الطاعة هنا هو مفتاح الولاية الحقّة؛ فطاعة الإمام المهدي هي في حقيقتها طاعةٌ لله تعالى، وعصيانه يُعدّ خروجاً وكفراً بسنّة النبيّ. ولكنّ الإشارة الأهمّ في هذا المقام تتعلق بمسألة سلطان الإمام في الغيبة. كثيرٌ من الناس يغفلون، مع الأسف، عن هذه الحقيقة الكونية، وهي أنّ الإمام المهدي هو السلطان الحقّ على الأرض منذ يوم الغدير، فتميل قلوبهم إلى حكّام زمانهم ودولهم، ويرجونهم ويخافونهم ويطيعونهم، متذرعين بحجّة “احترام الدولة”.

  • الميل إلى الأغيار إنكارٌ لسلطان الإمام:

هذا الميل إلى حكّام زماننا، ومخافتهم ورجائهم، هو في حقيقته إنكارٌ لسلطان الإمام في غيبته، وهو المعنى الخفيّ لإنكار الإمام وتكذيبه. فالطاغوت، أيها الأحبّة، ليس فقط من يجهر بالكفر، بل هو كلّ من يتعدّى حدود الله وشريعته، ويبدّل أحكام الدين باسم السياسة أو القانون أو المصالح. إنّ المجتمع الذي يضع قوانين أرضيّة تخالف شريعة السماء، إنما يسير على نهج الطغيان.

  • إنكار العلم والسلطان بلسان الحال والسلوك:

في عصرنا هذا، قَلّ من يُنكر وجود الإمام المهدي (عليه السلام) صراحةً، ولكنّ الكثيرين ينكرون صفاته وسلطانه وعلمه بلسان الحال والسلوك، وإن لم ينكروه بالقول. فكيف يمكن للمؤمن أن يُنكر أنّ الإمام هو المنذر والهادي في هذا الزمان، وقد أثبت القرآن الكريم هذا الدور: “إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ” إنّ الميل إلى المناهج البشريّة، والفكر المادّي، والعقل المنقطع عن النور الإلهيّ هو سبب الاضطراب، لأنّ الناس تركوا المنبع الأصيل للعلم الإلهيّ.

 

منهج الثبات: تحقيق طاعة الإمام المهدي عملياً

إنّ الرجوع والتعلّم والتتلمذ على يد الإمام المهدي هو في حقيقته رجوعٌ إلى الله تعالى، لأنّه هو القائم بأمر الله، العامل بإذنه. ولأنّ الإمام ليس مقصّراً في وظيفته، فلابدّ إذن من سبيل للرجوع إليه حتى في حال غيبته، وهذا من الإعجاز الإلهيّ العظيم؛ أن الهداية تصل إلى القلوب عبر كلماته وآثاره وأوليائه.

  • الجواب على كيفية الطاعة في الغيبة:

عندما يُسأل المؤمن: كيف نأتمر بأوامر الإمام وهو غائب؟ يكون الجواب الصادق هو: «خذوا بالأمر الأوّل حتى يأتيكم الأمر الآخر». والأمر الأوّل هو ما صدر من وكلائه وأعضائه الصالحين؛ وهم تلامذته الأوائل الذين بثّوا العلم والحكمة، وبقي أثرهم إلى اليوم في الفقهاء والعلماء المتقين. فأخذ العلم عنهم هو في حكم الأخذ عن الإمام نفسه، لأنّ قول المهديّ هو قول عليّ والحسين والنبيّ، فهم كلّهم نورٌ واحد. وبذلك تتحقّق طاعة الإمام المهدي عملياً في حياة المنتظر.

  • إعادة ضبط الحياة على ميزان الإمام:

يجب علينا إعادة ضبط حياتنا كلّها على ميزان الإمام: كيف نعيش، كيف نأكل، من نصادق، وأين نذهب. كلّ ذلك يجب أن يُبنى على الاعتقاد الراسخ بأنّ هذه السنن هي من أدوات الدولة المهدويّة والمدنية الفاضلة التي يقيمها. هذا يقتضي محق البدع والمؤسّسات التي لم تُؤسَّس على التقوى من أوّل يوم، لأنّ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه الشريف) سيلحقها بالرفض والعدم، إذ لم تُؤسَّس على طلب رضا الله.

  • التعامل بعزّة ونبذ عبادة الأوثان:

إنّ الذين جعلوا لأنفسهم أولياءَ غير الإمام، هم كمن عبدوا الأوثان، لأنّ هؤلاء الحكّام لا يملكون ضرّاً ولا نفعاً. يجب على المؤمن الحرّ أن يتعامل بعزّة لا بخضوع، لأنه عبدٌ لله وحده، والوليّ الحقّ الذي له الأمر والنهي هو الإمام. فالقوانين التي وضعها البشر باطلة لا سلطان لها، ويجب أن نرجع إلى فقهاء الأئمّة الذين حفظوا لنا ضبط الشريعة المباركة.

 

النتيجة

إنّ التصديق الحقيقيّ بـ الإمام المهدي يتطلّب نبذ الأنداد والأغيار، كما فعل الأنبياء. وعلى المؤمن أن يُقيم على حالة الاضطرار الدائم إليه، لأنّ هذا هو سبيل الفرج الحقيقيّ والنجاة، كما قال الله تعالى: “أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ”. الإمام المهدي لا يخذل المنتظر الصادق، بل يُغيثه في حِين الاضطرار، لأنه بابه في الأرض. علينا أن نعامل الإمام الغائب كما لو كان مشهوداً وسلطاناً قائماً، وأن نُثبت صدق طاعة الإمام المهدي في سلوكنا؛ فلنسأل أنفسنا دائماً: ماذا يأكل؟ فلنأكل مثله. كيف يعاشر؟ فلنعاشر مثله.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه