شمس لاتغيب؛ المشروع الإلهي في الأرض
الحلقة الخامسة والثمانون:
حقيقة القيام بالحق ومفهوم المشروع الإلهي في الأرض
قال سيدي ومولاي الحسين بن علي صلوات الله عليهما: «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيّاً، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الإمام القائم بالحق». إننا حينما نتحدث عن إمام زماننا، فإننا لا نتحدث عن مجرد مصلح اجتماعي، بل عن حقيقة وجودية يُحيي الله بها الأرض بعد موتها، وإنما وصفه بـ “القائم بالحق” ليميزه عن كل الذين قاموا بغير حق؛ فهنالك قيامٌ على أسس باطلة، وهنالك قيامٌ يؤسس للحق الإلهي الذي لا يزول.
إن الجوهر الحقيقي لنهضتنا هو الانخراط في المشروع الإلهي في الأرض، وهو المشروع الذي لا يقوم على أهواء البشر، بل على أسس باقية ومنهج سماوي قويم. إن الفرق بين القيام بالحق والقيام بالباطل هو كالفرق بين الحياة والموت؛ فالقيام الذي يبتغي وجه الله يهدف إلى إصلاح الإنسان من جذوره، بينما المشاريع البشرية الوضعية لا تزيد الأرض إلا تخبطاً وظلماً، لأنها تفتقر إلى النور الذي يستضيء به الإمام القائم بالحق.
مقارنة بين المشروع الإلهي والمناهج البشرية الوضعية
-
زيف الديمقراطية والقوانين الوضعية:
إن العالم اليوم يتغنى بمفاهيم مثل الديمقراطية وحرية الرأي وتساوي الرجل والمرأة حتى في الإرث، لكنها في الحقيقة أسس باطلة تفتقر إلى روح الحق. إن هذه القوانين الوضعية هي نتاج عقول قاصرة لا تدرك مداخل الأمور ومخارجها، وهي مجرد ستار لدكتاتوريات حديثة تبتعد بالإنسان عن فطرته السليمة وتهدم بناء المجتمع الإلهي. -
الثورة بمشروع الله والأخذ بثأر الحسين:
إن النهضة الحقيقية التي ننتظرها هي الثورة التي تتمثل في المشروع الإلهي في الأرض، والتي تضع نصب عينيها الأخذ بثأر الحسين عليه السلام كركيزة أساسية. لا مكان في هذا المشروع لـ “حرية الحريات” بمعناها الليبرالي المنفلت، بل هو انقيادٌ تام لإرادة السماء وتطبيقٌ دقيق لمشروع الله الذي يهدف لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. -
قصور ثمرات العقول في تدبير شؤون البشر:
إن محاولات البشر لوضع أنظمة للاستثمار والأمن والأرزاق بعيداً عن هدي المعصوم هي محاولات باءت بالفشل، لأنها تعاني من نقص التسليم للخالق. إن هؤلاء الذين يشيدون الجامعات ويبنون المدارس لتشغيل العقول فقط، معرضون تماماً عن التسليم للإمام المهدي، ويطلبون إماماً يمشي وفق “ثمرات عقولهم” وعاداتهم، لا إماماً يرشدهم إلى طرق السماء الوعرة.
غاية المشروع الإلهي: إحياء الأرواح فوق راحة الأبدان
-
وهم السعادة في توفير الرغبات والهوى:
إن هدف الناس اليوم قد انحصر في راحة الأبدان وتوفير الشهادات والمال، وهذا في ميزان القرآن صبغة قارونية وصفة أموية بامتياز. إن البحث عن السعادة في توفير الرغبات والهوى هو في الحقيقة ظلم للروح وإغراق لها في مطامع الجسد الزائلة، بينما الإنسان روحٌ خالدة ستحاسب غداً عما قدمت، ولن ينفعها في الحياة الثانية دولار واحد أو مال قارون. -
منهج الإمام في موازنة الروح والجسم:
يأتي الإمام القائم بالحق ليعيد التوازن المفقود، فهو يعطي الروح شحناتها الإلهية دون أن يضيع حقوق الجسم المادية في حدودها الشرعية. إن منهج الإمام يجعل من النظر إلى البحر عبادة، ومن تلاوة الحكم استماعاً للحق، بينما يحذف الأغاني والنظر الحرام وكل أنواع النطق الباطل كالغيبة والنميمة، ليكون الجسم خادماً مطيعاً لسمو الروح وطهارتها. -
فساد الأماني والتعلق بزهرة الدنيا:
إن المناهج التي تروج لتخليد الإنسان في الدنيا وتوفير كل سبل الرفاه المادي هي مناهج مفسدة تتصادم مع صريح القرآن الكريم. إن “توفير الدنيا” ليس شعاراً مهدوياً، بل الشعار هو الزهد في زهرة الدنيا الفانية والعمل لدار البقاء؛ فالإمام لا يأتي ليحقق أماني الناس المادية، بل ليحقق مراد الله في خلقه ويخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
إحياء الأمر الأول وموت البدعة في عصر الظهور
-
إحياء الكتاب والسنة وإماتة البدع:
إن دعوة المهدي عليه السلام هي دعوة مخلصة لـ المشروع الإلهي في الأرض، تهدف إلى إحياء الكتاب الذي هُجر والسنة التي عُطلت. الإمام يأتي ليقتل البدع التي أسسها الطغاة والمنحرفون، ويحيي الله به الأرض بعد موتها الروحي؛ فالموت الحقيقي هو البعد عن نهج الوحي، والحياة الحقيقية هي في اتباع إمام الحق الذي يزيل غبار التحريف عن الدين. -
القصاص من الظلمة وتحقيق العدالة المطلقة:
إن في القصاص حياة، والإمام سيقتص من قتلة الحسين ومن كل الذين خنقوا الأرض بشهواتهم وظلمهم عبر العصور. إن هذا القصاص ليس تشفياً، بل هو ضرورة لـ إحياء الأمر الأول وتطهير الأرض من دنس المنافقين، ليظهر دين الحق على الدين كله، رغماً عن أنف الجبابرة ورؤساء الحكم الذين استبدوا بالعباد وبدلوا أحكام الله بآرائهم الفاسدة. -
ثبات الحق مقابل زوال أنظمة البشر:
كل ما تراه اليوم من أنظمة صحية وأمنية وتعليمية هي ثمرات عقول زائلة، سيبطلها من يأتي بعدها من البشر لأنها لا تقوم على الحق المحض. أما ثمرات الوحي التي يأتي بها الإمام فهي الحق الذي لا يدمغ ولا ينتهي نفعه؛ فالإمام سيضع سيفه على رقاب الضلال، وسيمارس المؤمنون سنن المهدي التي تجلب الزيادة والبركة والشاكرين لله في كل آن.
الصبر في الغيبة والتحذير من فتنة الارتداد
-
الامتحان العظيم والارتداد في الغيبة:
لقد حذرنا الإمام الحسين عليه السلام من غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون، وهي امتحانٌ لصحة الانتماء لـ المشروع الإلهي في الأرض. إن المنكرين لظهوره سيستهزئون قائلين: «متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟»، تماماً كما حدث في بني إسرائيل حين غاب موسى ثلاثين يوماً فارتدوا، فكيف بهذه الغيبة الطويلة التي تزلزل القلوب الضعيفة التي لم تمحض الإيمان. -
منزلة الصابرين على الأذى والتكذيب:
إن الصابر في الغيبة على أذى الناس وتكذيبهم، والمتمسك بـ الأمر الأول، هو بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله. هؤلاء هم الذين لا تفتنهم “ثمرات العقول” ولا يغريهم بريق الحضارة المادية، بل يبقون مشغولين بإحياء كلمات الصادق والباقر والكاظم، صابرين على اللسان اللاذع للمجتمع الذي استمرأ الموت الروحي وابتعد عن نور العترة. -
الاستعداد لساعة الصفر ورفض التنظير البشري:
يجب علينا ألا نشرك في التنظير مع الله، وألا نستبدل قوانين السماء بقوانين وضعية تحت مسمى التطور؛ فالحق هو ما ورد عن القرآن والعترة. نحن بانتظار أطروحات المصلح الجديد، وارث الأنبياء، الذي إذا نطق خضعت له العقول. إنها ساعة الصفر التي ستفصل بين الموت الذي نعيشه اليوم والحياة التي يعدنا بها الإمام، وعندها سيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.
النتیجه
في الختام، يجب أن ندرك أن الحد الفاصل بين السعادة والشقاء يكمن في التسليم المطلق لـ المشروع الإلهي في الأرض. إن عالمنا اليوم، باعتماده على “ثمرات العقول” وتجاهله لـ “ثمرات الوحي“، قد ساق أرواح البشر إلى المسلخ. إن نهضة الإمام القائم بالحق ليست من أجل تلبية الأهواء والرغبات، بل تهدف إلى إحياء الأمر الأول وبعث الحياة في الأرض بعد موتها المعنوي. إن وظيفتنا في هذا الزمان هي الصبر على التكذيب، والابتعاد عن البدع، والانتظار الواعي لـ ساعة الصفر؛ اللحظة التي سيُقتلع فيها الظلم بظهوره، وتنبسط فيها الحياة الحقيقية على العالم أجمع.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”