محاضرات محرم الحرام؛ التوحيد والفخر بالله
اليوم الأول من محرم الحرام:
التوحيد أساس نهضة الإمام الحسين عليه السلام
افتتحنا هذه الليلة المباركة بذكر مصاب سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، مستذكرين حديث الإمام الرضا عليه السلام لابن شبيب: «إن كنت باكياً لشيء فابكِ على الحسين». فهذا الحديث الشريف يكشف عظمة هذه المصيبة التي بكت لها السماوات والأرضون، ويبين أن البكاء على الحسين عليه السلام ليس مجرد حالة عاطفية، بل هو ارتباط بعقيدة الحق والولاية والوفاء لأهل البيت عليهم السلام.
ثم بيّنا أن من أهم المعاني التي أراد الإمام الحسين عليه السلام ترسيخها في الأمة هو معنى التوحيد والفخر بالله. فالمؤمن لا يرى الكمال إلا لله سبحانه وتعالى، ولا ينسب العزة والعلم والقوة والقدرة إلى غيره استقلالاً. ومن هنا كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام نهضةً لإحياء التوحيد الخالص في الأرض، ومواجهة كل أشكال الشرك الظاهرة والخفية التي حاولت السلطات المنحرفة نشرها بين الناس.
التوحيد والفخر بالله لا بالفخر الدنيوي
- التوحيد يقتضي نسبة الكمال إلى الله وحده:
أوضحنا أن الله تعالى هو صاحب جميع صفات الكمال، فهو العزيز والعليم والقادر والمتكبر بحق. وكل ما يملكه الخلق من علم أو قوة أو جاه أو مكانة إنما هو فضل من الله تعالى. ولذلك فإن التوحيد والفخر بالله يعنيان أن يرى الإنسان نفسه فقيراً إلى الله في كل شيء، وأن يدرك أن كل نعمة لديه هي منحة إلهية وليست ملكاً ذاتياً له. - خطورة الفخر بالوطنية والقبيلة واللون:
وبيّنا أن القرآن الكريم حذّر من أنواع التفاخر الباطلة التي تجعل الإنسان يستعلي على الآخرين. فقد يتفاخر بعض الناس بقوميتهم أو قبيلتهم أو وطنهم أو لغتهم أو لونهم، ويجعلون ذلك سبباً للاعتزاز والاستعلاء على عباد الله. وهذا المسلك ينافي روح التوحيد والفخر بالله؛ لأن العظمة الحقيقية لله وحده، وأما الإنسان فلا قيمة له إلا بمقدار قربه من ربه وطاعته له. - معيار التفاضل هو العقيدة والعمل:
استشهدنا بكلمة أمير المؤمنين عليه السلام: «وما ضرّ بلالاً إن صحت عقيدته ولحن في لهجته». فالقيمة الحقيقية ليست في الفصاحة أو النسب أو المظهر، وإنما في صحة الاعتقاد وصدق الإيمان. ولذلك كان أهل البيت عليهم السلام يدعون الناس دائماً إلى النظر إلى جوهر الإنسان وإيمانه لا إلى المظاهر الزائلة التي لا تنفع عند الله تعالى.
المرجعية الإلهية ورفض الانحراف عن أهل البيت عليهم السلام
- العلم الحقيقي عند أهل البيت عليهم السلام:
أشرنا إلى أن الله تعالى جعل لأهل البيت عليهم السلام مقام المرجعية والهداية، وأن الرجوع إلى غيرهم مع الإعراض عنهم يؤدي إلى الضلال والانحراف. فالإمام الرضا عليه السلام بيّن أن من أعرض عن أهل البيت وأخذ دينه من غيرهم فقد خسر طريق الهداية الذي نصبه الله لعباده. ولهذا فإن المؤمن المتمسك بخط أهل البيت عليهم السلام يجعلهم مصدر معرفته وفهمه للدين، لأنهم الأمناء على رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحافظون لمعاني القرآن وأحكام الشريعة. - السارق يُنتزع منه ما سرق:
كما بيّنا أن كل من ينسب إلى نفسه علماً أو فضلاً أو مكانة دون الاعتراف بأن ذلك من الله تعالى، فإنه يقع في دائرة الغرور والغفلة. وقد عبّرت الروايات عن هذا المعنى ببيان أن السارق يُنتزع منه ما سرق، لأن النعم الإلهية لا تستقر مع الجحود والكفران، وإنما تثبت بالشكر والاعتراف بفضل الله سبحانه وتعالى.
الإمام الحسين عليه السلام وثورة التوحيد
- خروج الإمام الحسين لإحياء كلمة الله:
أكدنا أن الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج طلباً للسلطة أو الملك أو النفوذ، وإنما خرج لإحياء كلمة التوحيد وإبطال منهج الانحراف الذي سعى بنو أمية إلى ترسيخه في الأمة. فجوهر النهضة الحسينية هو إعادة الناس إلى عبودية الله وحده وإزالة كل مظاهر الخضوع لغير الله تعالى. وقد أشرنا إلى أن الاستخارة المرتبطة بخروج الإمام الحسين عليه السلام كانت بآية ﴿قل هو الله أحد﴾، وكأنها إعلان واضح بأن حركة الحسين عليه السلام هي حركة توحيد قبل كل شيء. - الشرك الخفي في طاعة غير الله:
وبيّنا أن الانحراف لا يكون دائماً بعبادة الأصنام، بل قد يظهر في طاعة البشر وتقديم قوانينهم وأهوائهم على حكم الله تعالى. فحين يجعل الإنسان السيادة المطلقة لغير الله، أو يقدّم القوانين البشرية على التشريع الإلهي، فإنه يبتعد عن حقيقة التوحيد التي دعا إليها الأنبياء والأوصياء. ومن هنا جاء جهاد الإمام الحسين عليه السلام ليعيد للأمة مفهوم التوحيد والفخر بالله، وليؤكد أن السيادة المطلقة لله وحده، وأن كل سلطة تخالف أمره لا تستحق الطاعة والاتباع.
الهجرة في سبيل الله والتضحية من أجل العقيدة
- دروس من هجرة النبي صلى الله عليه وآله:
توقفنا عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف جعل الله تعالى الهجرة وسيلة لحفظ الرسالة وإقامة الدين. فالرسول الأكرم لم يبق في مكة عندما أصبحت الظروف تمنع إقامة الحق، بل هاجر بأمر الله ليؤسس مجتمع الإيمان والتوحيد. وهذه الحقيقة نفسها تتجلى في موقف الإمام الحسين عليه السلام، إذ لم يبقَ في مكة حين أصبح بقاؤه سبباً لانتهاك حرمة البيت الحرام، فاختار التضحية بنفسه من أجل حفظ الدين وصيانة المقدسات. - الحسين عليه السلام رفض المساومة:
أوضحنا أن الإمام الحسين عليه السلام رفض كل أشكال المساومة على العقيدة، ولم يقبل بالبيعة ليزيد رغم ما كان يمكن أن يترتب على ذلك من سلامة ظاهرية أو مكاسب دنيوية. لقد أراد أن يبقى التوحيد نقياً خالصاً، وأن لا يُضفي الشرعية على حكم يقوم على الفساد والانحراف عن منهج الله تعالى. ولهذا كان مستعداً لتحمل جميع المصاعب والشدائد في سبيل الحفاظ على رسالة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
التعلق بالله لا بمدنيات الشرق والغرب
- لا عزّة إلا عند الله:
أكدنا أن المؤمن لا ينبغي أن يجعل قلبه متعلقاً بالقوة المادية أو الحضارات الدنيوية أو مظاهر الرفاه التي يمتلكها الآخرون. فالعزة الحقيقية ليست في المال ولا في التقدم المادي وحده، وإنما في الارتباط بالله تعالى والثبات على طاعته. ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يربّون أتباعهم على أن تكون قلوبهم متعلقة بالله وبالحجة الإلهية في كل زمان، لا بالمكاسب العابرة التي قد تزول في أي لحظة. - انتظار الإمام المهدي عليه السلام:
وبيّنا أن المؤمن الحقيقي يجعل عزته في إمامه وولايته، وينتظر فرج الإمام المهدي عليه السلام بقلب ثابت ويقين راسخ. فلا يميل إلى الشرق أو الغرب طلباً للعزة، بل يرى أن الكرامة الحقيقية تتحقق بالثبات على طريق أهل البيت عليهم السلام والتمسك بولايتهـم.
الحزن الحسيني ومواساة أهل البيت عليهم السلام
- لماذا يستمر الحزن على الإمام الحسين؟:
أشرنا إلى أن الحزن على الإمام الحسين عليه السلام ليس حالة مؤقتة مرتبطة بيوم عاشوراء فقط، بل هو امتداد لحزن أهل البيت عليهم السلام أنفسهم. فقد ورد أن الإمام الكاظم عليه السلام كان إذا دخل شهر المحرم لا يُرى ضاحكاً، وأن يوم عاشوراء كان يوم حزنه ومصيبته. ومن هنا نفهم أن إحياء الشعائر الحسينية هو تعبير عن المواساة والولاء والمشاركة الوجدانية لأهل البيت عليهم السلام فيما أصابهم من ظلم ومحنة. - البكاء على الحسين عليه السلام طريق إلى الله:
كما بيّنا أن البكاء على الإمام الحسين عليه السلام له منزلة عظيمة في الروايات الشريفة، لأنه يكشف صدق الارتباط بسيد الشهداء عليه السلام. وقد أكّد الإمام الرضا عليه السلام أن دمعة الحسين سبب لمغفرة الذنوب ورفعة الدرجات، لما تحمله من معاني الحب والوفاء والبراءة من أعداء الله.
كربلاء أرض الكرب والبلاء
تحدثنا في ختام المجلس عن وصول الإمام الحسين عليه السلام إلى أرض كربلاء في اليوم الثاني من شهر المحرم، وكيف سأل عن اسم الأرض حتى قيل له: كربلاء. فعندها اغرورقت عيناه وقال: «اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء». ثم أمر بنزول الركب المبارك في تلك الأرض التي ستشهد أعظم ملحمة في تاريخ الإنسانية، وأخبر أهل بيته بأن هذه الأرض ستكون موضع شهادتهم وسبي عيالهم. وهنا تجلت عظمة التسليم لله تعالى والثبات على التكليف الإلهي رغم علمه بما ينتظره من مصائب وآلام.
النتيجة
تكشف هذه الجلسة أن التوحيد والفخر بالله كانا من أبرز الأهداف التي خرج الإمام الحسين عليه السلام من أجلها. فقد واجه كل أشكال التفاخر الباطل والانحراف عن عبودية الله، وأراد أن يعيد للأمة معنى العزة الحقيقية المرتبطة بالله تعالى وحده. كما تؤكد المحاضرة أن التمسك بأهل البيت عليهم السلام، وإحياء ذكر الحسين عليه السلام، والثبات على نهج التوحيد، هي السبل التي تحفظ المؤمن من الضلال وتجعله من أنصار الحق في الدنيا والآخرة.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”