سیاحة التسبیح؛ الخير بيد الله وحده
الحلقة الثانية والستون:
بيده الخير وهو على كل شيء قدير
إن من أعظم معاني التوحيد أن يوقن الإنسان بأن الخير بيد الله، وأنه سبحانه هو المتفرد بالتقدير والعطاء والهداية. ولذلك نقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد»، ونؤمن بأن ما يجري في حياتنا لا يخرج عن علم الله وحكمته. فقد يرى الإنسان أموراً يظنها شراً، بينما تكون في واقعها مقدمة لخير عظيم لا يدركه في عالم الحجاب.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن لا يقيس الخير والشر بمقاييس الدنيا وحدها، ولا ينظر إلى حياة الآخرين من خلال الظاهر فقط. فقد نرى بلاداً فيها رخاء وأموال وراحة، ونظن أن ذلك هو الخير، بينما قد يكون الخير الحقيقي في مكان آخر، وفي عبادة أو ابتلاء أو موقف يقرّب الإنسان من الله تعالى. إن المؤمن حين يقول «بيده الخير» يعلن أن مرجعه إلى الله، وأنه يثق بتقديره، ويتبع الخطوات التي أرسلها الله تعالى لعباده.
الخير بيد الله وليس فيما تراه العيون
- الحجاب عن الحقائق:
إننا نعيش في عالم الحجاب، ولذلك لا ندرك جميع الحقائق التي تحيط بنا. قد يرى الإنسان الراحة في حياة معينة، ويرى التعب والمشقة في حياة أخرى، لكنه لا يعلم حقيقة المقامات والبركات والأنوار التي تحيط بكل إنسان. ولذلك لا يصح أن نحكم على الخير من خلال ظاهر الدنيا وحده. وقد تكون لحظة واحدة يعيشها المؤمن في مكان مقدس، أو في طاعة لله، أعظم عند الله من سنوات طويلة من الراحة الدنيوية. ولهذا ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم السعادة، وأن نختار رأي أمير المؤمنين عليه السلام ورأي أهل البيت عليهم السلام، لا أن نجعل أهواءنا ومقاييس الدنيا هي الميزان الوحيد للحكم على الخير. - كربلاء ومقام الحسين عليه السلام:
ومن أعظم الأمثلة على ذلك كربلاء. قد ينظر الإنسان إلى ما وقع فيها من عطش وألم وشهادة على أنه شر ومصيبة فقط، ولكن الحقيقة أن الله تعالى عوّض الإمام الحسين عليه السلام عن كل ألم وحزن وعطش بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. لقد جعل الله من شهادة الحسين عليه السلام نوراً وهداية ورحمة باقية إلى يوم القيامة. ولهذا فإن ما يبدو في الظاهر ألماً قد يتحول بقدرة الله إلى أعظم أبواب الخير. فالحسين عليه السلام فقد الماء والأهل والأصحاب، لكنه نال مقاماً عظيماً، وصارت كربلاء مدرسة للأجيال. وهنا يظهر معنى «بيده الخير»؛ فالله تعالى قادر على أن يبدل الألم خيراً، والحزن رحمة، والمصيبة طريقاً إلى رضوانه.
ما نراه شراً قد يكون طريقاً إلى الخير
- الظلمات والنور:
يقول الله تعالى: ﴿اللهُ جَاعِلُ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ﴾. ونحن نرى في الكون ظلمة ونوراً، ولكننا لا ندرك دائماً الحكمة الكاملة وراء ما يحدث. وكذلك في حياتنا المعنوية، هناك نور الإيمان والطاعة، وهناك ظلمات الخيانة والكذب والدجل والفساد والظلم. إن ساعة واحدة يقضيها الإنسان في الشر قد تتحول إلى حسرة عظيمة، بينما الساعة التي يقضيها في العمل الصالح تصبح نوراً وفرحاً. ولذلك ينبغي أن ننتبه إلى أعمالنا وأوقاتنا، لأن كل لحظة يمكن أن تكون طريقاً إلى النور أو سبباً في الحسرة. - الخير في اتباع هدي الله:
إذا أردنا أن نعرف الخير الحقيقي، فعلينا أن نرجع إلى الله وإلى تعاليمه وسننه. فليس كل ما تقدمه الدنيا من راحة ورفاهية خيراً حقيقياً، كما أن كل تعب ومشقة ليس شراً بالضرورة. قد يكون الصيام مشقة على الجسد، ولكنه راحة للروح، وقد تكون الصلاة في وقت السحر ثقيلة على الإنسان النائم، لكنها باب من أبواب النور والقرب من الله. ولهذا فإن المؤمن لا يجعل الراحة الدنيوية هي المقياس الوحيد للسعادة، بل يسأل: هل هذا الطريق يقرّبني من الله أم يبعدني عنه؟ فإذا كان يقربني من الله، فهو خير وإن كان فيه تعب ومشقة.
الاعتماد على الله والثقة بتقديره
- اتباع الخطوات التي أرسلها الله:
حين يؤمن الإنسان بأن بيده الخير، فإنه يتعلم أن يعتمد على الله، وأن يتبع ما جاء به الأنبياء والأوصياء وأهل البيت عليهم السلام. فالله تعالى لم يترك الإنسان من دون طريق، بل أرسل له منهجاً يرشده في العبادة والحياة والسلوك. وقد لا ندرك دائماً الحكمة الكاملة في بعض تعاليم الله، ولكن المؤمن يقول: «إقراراً وتسليماً لله». فهو يعلم أن الله أعلم بما يصلح عباده، وأن ما اختاره الله تعالى هو الخير، حتى لو لم نفهم جميع أبعاده في اللحظة نفسها. - جبران الله أعظم من كل ألم:
إن من أعظم أبواب الأمل أن يعلم الإنسان أن الله تعالى قادر على التعويض والجبران. فما من ألم يمر به المؤمن في سبيل الله إلا ويمكن أن يتحول إلى خير عظيم، وما من حزن يصبر عليه إلا ويمكن أن يكون مقدمة لرحمة واسعة. وهذا ما نتعلمه من الإمام الحسين عليه السلام؛ فقد عوّضه الله عن كل ألم وحزن وعطش، وجعل شهادته من أعظم أبواب الهداية. ولذلك لا ينبغي أن ننظر إلى المصائب بمنظار اليأس، بل بمنظار الثقة بالله الذي الخير بيد الله وهو على كل شيء قدير.
النتيجة
إن الإيمان بأن الخير بيد الله وحده ليس مجرد عبارة نرددها باللسان، بل هو موقف إيماني يغيّر نظرتنا إلى الحياة. فالمؤمن يعلم أن الخير الحقيقي بيد الله، وأن ما يبدو شراً قد يحمل في داخله خيراً عظيماً، وأن الراحة الدنيوية ليست دائماً علامة السعادة. ومن خلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وخصوصاً مدرسة الإمام الحسين عليه السلام، نتعلم أن الثقة بالله والصبر على طريقه يقودان إلى العزة والرحمة والرضوان. فلنرجع إلى الله، ولنثق بتقديره، ولنتبع خطواته، لأن بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”