سیاحة التسبیح؛ التسليم لتدبير الله
الحلقة الثالثة والستون:
التسليم لتدبير الله وفهم حكمة التقدير
نقرأ في دعاء الإخلاص: «سبحان من له الأمر من قبل ومن بعد»، وهذه الكلمة تفتح أمامنا باباً عظيماً لفهم حقيقة التوحيد؛ فالله سبحانه منزّه عن أن يحتاج إلى تفكير أو مشورة أو استدراك كما يحتاج الإنسان. نحن قبل أن نصدر أمراً نحتاج إلى التخطيط والاستشارة والاستعانة بالآخرين، ثم بعد تنفيذ الأمر قد نكتشف الخطأ فنحاول إصلاحه، أما الله تعالى فلا يحتاج إلى شيء من ذلك؛ لأن أمره من قبل ومن بعد قائم على الحكمة والتقدير المحكم.
ولهذا، إذا رأينا في حياتنا أموراً لا نفهم حكمتها، فلا ينبغي أن نتهم التقدير الإلهي أو نظن أن في خلق الله خللاً. المشكلة في كثير من الأحيان ليست في فعل الله، وإنما في فهمنا المحدود. نحن لا نرى جميع الحقائق، ولا نعرف ما وراء الحجاب، ولذلك نحتاج إلى التسليم لتدبير الله والإقرار بأن الله حكيم، وأن حكمته بالغة، حتى وإن لم نفهم تفاصيلها في اللحظة نفسها.
«سبحان من له الأمر من قبل ومن بعد»
- الله لا يحتاج إلى استدراك في تدبيره:
الإنسان قد يبدأ عملاً ثم يكتشف أنه أخطأ فيحتاج إلى إصلاحه، أما الله سبحانه فلا يخطئ في صنعه ولا يحتاج إلى تعديل ما صنعه. إن خلقه وتقديره محكمان، وكل شيء يجري في موضعه، وكل إنسان يكون في منزلته التي قدرها الله له. - القرآن يكشف عن خطة إلهية محكمة:
القرآن الكريم الذي نزل قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة أخبر عن أحداث وأقدار ستجري في المستقبل، وهذا يدل على أن ما يجري في الكون ليس عبثاً ولا صدفة. لقد أخبر الله عن تسليط الأشقياء على السعداء، فكان يزيد في مواجهة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، ومعاوية في مواجهة الإمام الحسن عليه السلام، وابن ملجم في برابر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. - الشر الظاهر لا يعني غياب الحكمة:
ما جرى في كربلاء في ظاهره ألم وحزن وعطش ومصيبة، ولكن الله تعالى لم يترك شيئاً من ذلك بلا حكمة. نحن نرى جزءاً صغيراً من المشهد، بينما الله يرى الحقيقة كاملة. ولذلك قد يكون الشيء الذي نراه شراً، قد جعله الله طريقاً إلى الخير والعز والكرامة.
التسليم لتدبير الله عند الشدائد
- مشكلتنا في الفهم وليست في حكمة الله:
نحن نواجه في حياتنا الفقر والمرض والذل والجهل والعجز والخوف وموت الفجأة، ونسأل: أين الخير؟ لكن المؤمن لا يجعل عدم معرفته بالحكمة دليلاً على عدم وجودها، بل يقول: «الله إله حكيم». ثم يصبر وينتظر ليرى كيف يجبر الله الفقر بالغنى، والنقص بالكمال، والذل بالعز. - الإمام الحسين عليه السلام ورضا القلب بالتقدير:
إذا تأملنا في مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، وجدنا أن ما نراه نحن ألماً عظيماً صار في الحقيقة باباً إلى أعظم الخير والكرامة. ولذلك كان معنى التضحية عند الإمام الحسين عليه السلام مرتبطاً بالرضا بالله، حتى إن ما جرى عليه صار سبباً لبقاء الدين وإحياء طريق الحق. - الحمد لله حتى في المكروه:
عندما نقول: الحمد لله رب العالمين، لا ينبغي أن يكون حمدنا متعلقاً بالنعم الظاهرة فقط، بل نتعلم أن نحمد الله ونثق بتدبيره حتى في الأمور التي لا تعجبنا. فقولنا: «الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه» يعني أننا نقر بأن وراء ما نراه من ألم حكمةً ورحمةً وتقديراً إلهياً لا نحيط به.
الله يختار لعباده الأصلح
- الله بصير بالعباد:
الله سبحانه لا يريد بعبده الشر، بل يختار له ما هو أصلح له، وقد يمر الإنسان ببلاء شديد في آخر عمره، ويظن أن ذلك شر، بينما يكون البلاء نفسه سبباً في رفع مقامه وتقريبه من الله. فالله منزّه عن الظلم، ولا يجري في ملكه شيء عبثاً. - الابتلاء قد يكون طريقاً إلى المقام الكريم:
قد يبتلي الله عبده بمرض أو فقر أو أذى أو خوف، ثم يجعل هذا البلاء سبباً لتوفيقه وإدخاله في نفحات رحمته. لذلك علينا ألا ننظر إلى البلاء وحده، بل ننظر إلى ما يمكن أن يترتب عليه من الخير والجبر والرحمة. - التسليم يحتاج إلى صبر وثقة:
الإنسان لا يستطيع أن يفهم جميع أسرار التقدير الإلهي، ولذلك يحتاج إلى الصبر. فإذا لم نفهم الحكمة اليوم، فقد نفهمها غداً، أو نكتشف حقيقتها بعد انكشاف الحجب. المهم أن يبقى في القلب يقين ثابت بأن تدبير الله أحكم من تدبيرنا.
انكشاف الحجب وظهور حقيقة التقدير
نحن اليوم نعيش في عالم الحجاب، ولذلك لا نعرف جميع الحقائق التي تحيط بنا. قد يظن الإنسان أن بعض الأحداث شر محض، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت سبباً في نجاته أو هدايته أو رفع مقامه. وعندما تنكشف الحجب، يرى الإنسان دقة التقدير الإلهي ويتمنى لو كان يعلم منذ البداية ما يعلمه الله.
وهنا تظهر قيمة التسليم لتدبير الله؛ لأن التسليم ليس معناه أن الإنسان يتوقف عن العمل، وإنما يعني أن يعمل بما يستطيع، ثم يفوض أمره إلى الله، ويوقن بأن الله أعلم بمصلحته منه. فالله لا يترك عباده، وإنما يقودهم بتقديره نحو ما يريد لهم من الخير.
ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى الحوادث بعين الظاهر فقط. قد يكون المرض باباً إلى الرحمة، وقد يكون الفقر باباً إلى القرب، وقد يكون البلاء سبباً في محو الذنوب ورفع الدرجات، وقد تكون المصيبة طريقاً إلى مقام لا يصل إليه الإنسان في الظروف العادية.
النتيجة
إن قولنا: «سبحان من له الأمر من قبل ومن بعد» ليس مجرد ذكر باللسان، بل هو موقف إيماني كامل. علينا أن نعرف أن الله حكيم، وتدبيره محكم، وأمره من قبل ومن بعد. فإذا واجهنا أمراً لا نفهم حكمته، فلا نعترض على الله، بل نرجع إليه ونقول: إلهي، أنا لا أحيط بحكمتك، ولكني أقر بأنك الحكيم الرحيم. إن التسليم لتدبير الله يجعل القلب أكثر ثباتاً في الشدائد، ويمنح الإنسان القدرة على رؤية الخير حتى وراء الأحداث المؤلمة، حتى نصل إلى اليوم الذي تنكشف فيه الحجب ونعرف أن كل ما قدره الله كان قائماً على الحكمة والرحمة. اللهم نبهنا من نومة الغافلين، وثبتنا على ولاية أمير المؤمنين، وعرف لنا نفسك يا إله السماوات والأرضين.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”