سیاحة التسبیح؛ المرجعية لله ومنهج الإمام المهدي
الحلقة الحادیة والستون:
المرجعية لله طريق العزة وجلال التوحيد
أيها الإخوة المؤمنون، ما زلنا نتأمل في حقيقة كلمة «لا إله إلا الله»، ولكن ليس باعتبارها لفظاً يُردد باللسان فحسب، بل باعتبارها منهجاً للحياة كلها. إن هذه الكلمة المباركة تعني أن تكون المرجعية لله وحده في كل شأن من شؤون الإنسان؛ في عبادته، ونومه، وطعامه، وشرابه، وسفره، وتربيته، وعلاقاته، وكل تفاصيل حياته. فمن جعل الله مرجعه الحقيقي ظهرت في حياته آثار الهداية والسكينة والعزة.
وأنا أؤكد لكم أن الإنسان إذا أعلن المرجعية لله ثم بقي يقلد أبناء الدنيا في كل صغيرة وكبيرة، فإنه لم يحقق حقيقة التوحيد كما أرادها الله تعالى. أما إذا جعل ميزانه كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله، وما ورثه الإمام المهدي عليه السلام من منهج أهل البيت، فإنه سيجد أن الله سبحانه قد اختار لعباده أكمل طريق وأقوم سبيل.
المرجعية لله في تفاصيل الحياة
- الإمام المهدي ميزان تطبيق المرجعية لله:
حين أقول إن المرجعية لله، فلا يكفي أن أردد هذه العبارة، بل ينبغي أن أبحث كيف يريد الله مني أن أعيش. ومن هنا كان الإمام المهدي عليه السلام المرآة العملية التي تعكس منهج الله في الأرض. فإذا أردت أن أعرف كيف يكون قيام الليل، أو كيف يكون تنظيم النوم، أو كيف يكون الصيام والعبادة، فإنني أنظر إلى سيرة الإمام، لأنها الامتداد العملي لمنهج الله تعالى. - راحة الأرواح أعظم من راحة الأجساد:
لقد قدّم أبناء الدنيا وسائل كثيرة لراحة الأجساد، ولكنهم في المقابل سلبوا الإنسان راحة الروح. فالسهر الطويل، والانشغال بالأجهزة، والانغماس في وسائل الترف، كلها قد تحرم الإنسان من صلاة الليل ومن ساعات السحر التي يتجلى فيها نور الله على عباده. ولذلك فإن المرجعية لله تعيد ترتيب حياة المؤمن وفق الميزان الإلهي لا وفق أهواء الناس. - سنن الله هي طريق البركة:
كلما التزم الإنسان بسنن الله التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، ظهرت آثار البركة في عمره وصحته وقلبه. فالصيام، وقيام الليل، وتنظيم الوقت، ليست عبادات منفصلة عن الحياة، بل هي برامج إلهية لحفظ الإنسان من كثير من الأمراض والاضطرابات، وإظهار عز وجلال الله في حياة المؤمن.
المرجعية لله في الصحة والعلاج
- التوسل قبل الاعتماد على الأسباب:
إن الله تعالى جعل الأسباب وسيلة، لكنه لم يجعلها المرجع النهائي. ولذلك كنت أقول دائماً: إذا مرض الإنسان فليتوجه أولاً إلى الله، وليكثر من الدعاء، وليتوسل بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، فإن القلوب إذا تعلقت بالله نزلت عليها رحمته، وكان الشفاء بيده سبحانه قبل كل شيء. - الدواء سبب وليس صانع الشفاء:
لا أنكر أهمية الطب، ولكن الخطأ أن يتحول الدواء إلى معبود خفي يعتمد عليه الإنسان اعتماداً كاملاً. فكم من مريض شفاه الله بلا دواء، وكم من مريض كثرت أدويته ولم يجد الشفاء. ولهذا فإن المرجعية لله تعني أن يكون القلب متعلقاً بالله، وأن تكون الأسباب خادمة للإيمان لا بديلاً عنه. - برنامج الله يحفظ الإنسان:
لقد جعل الله في كثير من الأحكام الشرعية وقاية للإنسان قبل أن تكون تكليفاً عليه. فالصيام، والاعتدال في الطعام، والابتعاد عن الإسراف، كلها أسباب تحفظ الجسد من كثير من الأمراض التي أصبحت منتشرة في زماننا، وهذا دليل على كمال المنهج الإلهي.
المرجعية لله في مواجهة الحضارة المادية
- ليس كل تقدم دليلاً على الصواب:
كثير من الناس ينبهرون بالحضارات الحديثة، ويظنون أن كل ما أنتجته التكنولوجيا هو الطريق الصحيح للسعادة. لكن المؤمن ينظر أولاً إلى ميزان الوحي، لأن المرجعية لله لا تقيس النجاح بكثرة المصانع ولا بسرعة الوسائل، وإنما تقيسه بمدى اقتراب الإنسان من الله تعالى. - سنن الله أعظم من تجارب البشر:
التجارب البشرية قد تصيب وقد تخطئ، أما منهج الله فلا يعرف الخطأ. ولذلك فإن المؤمن لا يجعل الحضارات البشرية حكماً على الوحي، بل يجعل الوحي حكماً على كل الحضارات. فما وافق كتاب الله وسنة أوليائه قبلناه، وما خالفهما تركناه مهما أعجب الناس به. - العزة في اتباع منهج الله:
حين يتمسك المؤمن بمنهج الله، فإنه يعلن عملياً أن طريق الله هو طريق العزة، وأن كل طريق يخالفه لا يمنح الإنسان إلا التعب والقلق ولو بدا مزيناً في ظاهره. وهنا يظهر المعنى الحقيقي لقوله: كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
المرجعية لله في السفر وشؤون المعيشة
- التسليم لحكمة الله:
قد لا يدرك الإنسان الحكمة الكاملة من بعض التشريعات أو من بعض السنن الإلهية، ولكن المؤمن يسلم لله لأنه يعلم أن الله لا يأمر إلا بما فيه الخير. ومن هنا فإن المرجعية لله ليست مبنية على إدراك كل الحكمة، وإنما على الثقة المطلقة بحكمة الله سبحانه. - برنامج الله يصنع العمر المبارك:
إن كثيراً من برامج الحياة الحديثة جلبت للإنسان الراحة المؤقتة، لكنها حملت معها أمراضاً جديدة وأعماراً أقصر وضغوطاً أكبر. أما المنهج الإلهي فإنه يبني الإنسان بناءً متكاملاً يجمع بين صحة الجسد وطمأنينة القلب وبركة العمر. - لا شريك لله في الهداية:
إن قولنا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» لا يقتصر على العقيدة النظرية، بل يعني أن الله وحده هو المرجع في تشريع الحياة، وأنه لا يجوز أن نجعل للأفكار البشرية أو للمناهج الأرضية شريكاً مع الوحي في رسم طريق السعادة.
النتيجة
إن حقيقة المرجعية لله هي الثمرة العملية لكلمة «لا إله إلا الله»، فمن جعل الله مرجعه في عبادته، وصحته، وأخلاقه، وتربيته، وسائر شؤون حياته، عاش عزيزاً في الدنيا وسعيداً في الآخرة. وإن الإمام المهدي عليه السلام هو النموذج العملي لهذا المنهج الإلهي، والاقتداء به هو الطريق الذي يكشف للإنسان كمال شريعة الله، ويظهر له أن كل عز حقيقي إنما يكون في التمسك بالله وحده، والانقطاع عن الاغترار بمناهج الدنيا، حتى يصبح المؤمن شاهداً على عز جلال الله في نفسه وفي مجتمعه.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”