التوحيد والتنزيه لله تعالى وشرح معنى لا كفؤ له ولا شبيه ولا شريك له في دعاء الإخلاص

سیاحة التسبیح؛ التوحيد والتنزيه لله تعالى؛ الحلقة 58

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ التوحيد والتنزيه لله تعالى

الحلقة الثامنة والخمسون:

لا كفؤ له ولا شبيه ولا شريك له

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين. ما زلنا نعيش مع كلمات دعاء الإخلاص التي تفتح لنا أبواب معرفة الله سبحانه وتعالى، ونقف اليوم عند قوله: «لا إله إلا الله، لا كفؤ له ولا شبيه ولا شريك له». إن هذه الكلمات ليست ألفاظاً نرددها فحسب، بل هي عقيدة تبني القلب، وتغرس في النفس حقيقة التوحيد والتنزيه لله تعالى.

إن الإنسان كلما ازداد معرفةً بالله، ازداد يقيناً بأنه سبحانه منزَّه عن كل نقص، وأنه لا يماثله أحد في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ولذلك فإن الإيمان بـ التوحيد والتنزيه لله تعالى هو أساس الإخلاص الذي يدعو إليه هذا الدعاء المبارك.

 

لا كفؤ له ولا شبيه له

  • لا كفؤ لله في ذاته:
    أيها الأحبة، عندما نقول: «لا كفؤ له»، فإننا نعني أن الله سبحانه لا يوجد من يساويه أو يعادله في ذاته المقدسة. فكل المخلوقات محدودة، وكلها تحتاج إلى غيرها، أما الله تعالى فهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد. إن المخلوق تحيط به الحدود، ويشغله المكان، ويجري عليه الزمان، أما الله سبحانه فهو لا يسعه مكان، ولا يخلو منه مكان بعلمه وقدرته وإحاطته. وهذه الحقيقة تعلن عظمة التوحيد والتنزيه لله تعالى، لأن الخالق لا يقاس بالمخلوق أبداً.
  • لا كفؤ لله في أفعاله:
    وكذلك لا يوجد أحد يكافئ الله في أفعاله. فالإنسان مهما بلغ من العلم، فإنه لا يخلق إلا مما خلق الله، ولا يصنع إلا بما أودعه الله في الكون من قوانين وأسباب. أما الله سبحانه فهو الذي أوجد الشمس والقمر، والسماء والأرض، والأنهار والأشجار، والحياة كلها من غير معين ولا شريك. ولهذا فإن كل فعل من أفعال الله يدل على كماله، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو يقاربه.

 

لا شبيه له ولا شريك له

  • كل كمال عند العباد هو من الله:
    إن بعض الناس يظن أن السمع أو البصر أو القوة أو العلم ملك له، بينما الحقيقة أن كل هذه النعم هي من فيض الله. فنحن نبصر لأن الله أبصرنا، ونسمع لأن الله أسمعنا، ونحيا لأن الله أحيانا، ولو رفع سبحانه عنا هذه النعمة لحظة واحدة لما بقي لنا منها شيء. ولهذا قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهو السميع البصير على الحقيقة، أما نحن فسمعنا وبصرنا عطية متجددة من الله في كل لحظة.
  • لا شريك لله في الملك والتدبير:
    ومن معاني التوحيد والتنزيه لله تعالى أن نؤمن بأنه لا شريك لله في خلقه، ولا في تدبيره، ولا في رزقه، ولا في هدايته. فالناس جميعاً فقراء إلى الله، وهو الغني عن العالمين. يريد الإنسان أن يرى، فيجعل الله له البصر، ويريد أن يسمع، فيجعل الله له السمع، ويريد أن يتحرك، فيمنحه القوة. أما الله سبحانه فلا يحتاج إلى معين، ولا إلى وزير، ولا إلى شريك، ولا إلى أحد يتمم له أمراً، لأنه الكامل المطلق في ذاته وأفعاله.
  • كما يحبُّ الله أن يُهَلَّل:
    أيها الإخوة، ليس المقصود أن نقول: «لا إله إلا الله» بألسنتنا فقط، وإنما أن يكون تهليلنا كما يحب الله ويرضى. ولهذا جاء في الدعاء: «كما يُحبُّ الله أن يُهَلَّل، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله». فليس كل من نطق بكلمة التوحيد أدرك حقيقتها، وإنما تختلف مراتب التهليل بقدر معرفة الإنسان بربه.
  • التهليل على قدر المعرفة بالله:
    إن الإنسان كلما ازداد معرفةً بالله، ازداد تعظيماً له. فالبصير الذي يشاهد آيات الله في الآفاق والأنفس يقول: لا إله إلا الله وهو يستحضر عظمة الخالق في كل نعمة يراها. أما من غفل عن هذه المعاني، فقد نطق بالكلمة، لكنه لم يدرك من أسرارها إلا ظاهرها. ولهذا فإن التوحيد والتنزيه لله تعالى يقتضي أن نعترف بأن كل نعمة نتمتع بها هي من الله وحده، وأن كل قدرة عندنا إنما هي أثر من آثار قدرته سبحانه.
  • كل كمال فينا هو من فيض الله:
    إن البصر الذي نبصر به، والسمع الذي نسمع به، والعقل الذي نفكر به، كلها نعم أودعها الله فينا. فإذا افتخر الإنسان بها ونسبها إلى نفسه فقد غفل عن المنعم الحقيقي، أما المؤمن فيجعل كل نعمة سبباً لزيادة توحيده. ولهذا كنت أقول: إذا رأيت بعينك فاذكر أن الله هو الذي أبصرك، وإذا سمعت فاذكر أن الله هو الذي أسمعك، وإذا اهتديت فاحمد الله الذي هداك. وهكذا يتحول كل يوم من حياتك إلى تجديد لمعنى التوحيد والتنزيه لله تعالى.

 

كما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله

  • الله أجلُّ من أن تُحيط به العبارات:
    أيها الأحبة، مهما بلغ الإنسان من البلاغة والفصاحة، فإنه لا يستطيع أن يصف الله كما يليق بجلاله. ولذلك نقول: «كما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله»، لأن الله أعظم من أن تحيط به الكلمات، وأجلُّ من أن تدركه العقول إدراكاً كاملاً. إن اعتراف العبد بعجزه عن الإحاطة بجلال الله هو من أعظم مراتب المعرفة، لأن العارف كلما ازداد علماً بالله، ازداد شعوراً بعظمة الله، وازداد يقيناً بأن كل ما يقوله لا يفي بحق ربه.
  • الله يقبل تهليل عباده بكرمه:
    ومع ذلك فإن الله سبحانه كريم، يقبل من عباده ما صدر عن إخلاص وصدق، وإن كان قاصراً عن بلوغ كمال الثناء عليه. فالعبد يقول: «لا إله إلا الله»، وهو يعلم أن الله أعظم من وصفه، فيتفضل الله عليه، ويجعل هذا الذكر مقبولاً، بل يرفعه بكرمه إلى منزلة عظيمة، لأنه خرج من قلب عرف عجزه، واعترف بكمال ربه. ولهذا فإن حقيقة التوحيد والتنزيه لله تعالى ليست في كثرة الكلمات، وإنما في صدق القلب، والإخلاص لله، والتسليم بأنه سبحانه لا كفؤ له، ولا شبيه له، ولا شريك له.

 

النتيجة

إن هذه الكلمات المباركة من دعاء الإخلاص تعلمنا أن التوحيد والتنزيه لله تعالى هو أساس العقيدة الصحيحة. فالله سبحانه لا كفؤ له في ذاته ولا في أفعاله، ولا شبيه له في صفاته وكماله، ولا شريك له في ملكه وتدبيره. وكل نعمة نملكها، وكل قدرة نستفيد منها، هي من فيضه وعطائه، لا من استقلالنا. فإذا استقر هذا المعنى في القلب، أصبح تهليلنا خالصاً، وعبادتنا أصدق، وتوكلنا أعظم، وازددنا يقيناً بأن الله وحده هو المستحق للحمد والثناء، كما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه