محاضرات محرم الحرام؛ العلم وديعة الله
اليوم الرابع عشر من محرم الحرام:
العلم وديعة الله وطريق معرفة الإمام المهدي
أيها الأحبة، لقد قال الإمام الباقر عليه السلام: «العلم وديعة الله في أرضه، والعلماء أمناؤه، فمن عمل بعلمه أدّى الأمانة، ومن لم يعمل به كُتب عند الله من الخائنين.» ومن هنا أبدأ حديثي؛ لأن العلم وديعة الله ليس كلمة تُقال، بل هو منهج حياة، وهو الميراث الذي أودعه الله في أوليائه، لينتقل من نبي إلى نبي، ومن وصي إلى وصي، حتى استقر كاملاً عند خاتم الأوصياء الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
نحن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وأصبح الناس يقيّمون الإنسان بماله أو منصبه أو شهرته، بينما يعلّمنا أهل البيت عليهم السلام أن قيمة الإنسان الحقيقية إنما تكون بما يحمله من العلم وديعة الله، وبمقدار ارتباطه بحجة الله في أرضه. فالمال يفنى، والجاه يزول، أما العلم الذي يقود إلى الله وإلى معرفة الإمام فهو الذي يبقى لصاحبه في الدنيا والآخرة.
العلم وديعة الله والخلود الحقيقي
- قيمة الإنسان ليست بالمال وإنما بالعلم:
إن الإنسان بطبعه يبحث عن الخلود، ويريد أن يبقى ذكره بين الناس، فيجمع الأموال، ويبني القصور، ويطلب السلطان، لكنه ينسى أن جميع ذلك إلى زوال. كم من ملوك ملأوا الأرض ضجيجاً، ثم أصبحوا خبراً في كتب التاريخ، بينما بقي ذكر الأنبياء والأوصياء لأنهم حملوا العلم وديعة الله، وربطوا الناس بالله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج ليطلب ملكاً ولا جاهاً، وإنما خرج ليحفظ دين جده، وليبقي نور الهداية مشتعلاً في الأمة. فمن ارتبط بالحسين ارتبط بالخلود، ومن ارتبط بالدنيا انقطعت آثاره مهما بلغت قوته. - أول وديعة نزلت إلى الأرضک:
حين خلق الله آدم عليه السلام قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فكان أول ما نزل إلى الأرض هو العلم وديعة الله، لا الذهب ولا الفضة ولا الكنوز. ومنذ ذلك اليوم ظل هذا العلم ينتقل عبر الأنبياء والأوصياء حتى وصل إلى الإمام المهدي عليه السلام، الذي جمع الله عنده علوم الأولين والآخرين. ولهذا لا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى العلم على أنه مجرد معلومات أو ثقافة، وإنما هو نور يقود إلى معرفة الله، ويهدي إلى معرفة الإمام، ويجعل صاحبه ثابتاً عند الفتن. - الإمام المهدي هو وارث الوديعة:
إن جميع الأئمة عليهم السلام كانوا حملة هذا العلم الإلهي، حتى انتهى إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. فهو وارث علوم الأنبياء، ووارث القرآن، ووارث أسرار الرسالة، ولذلك فإن من أراد الوصول إلى الحقيقة فلا بد أن يرتبط بصاحب هذه الوديعة الإلهية. وقد ورد في الروايات أن الإمام هو خازن علم الله، وأنه الحجة التي لا تخلو منها الأرض، فكما أن الشمس لا يستغني عنها الخلق، كذلك لا تستغني الأمة عن إمامها، وإن غاب عن الأبصار.
العلم وديعة الله ومعرفة الإمام المهدي
- لا معرفة لله بلا معرفة الإمام:
أيها المؤمنون، إن أعظم ثمرة من ثمار العلم وديعة الله هي أن يقود الإنسان إلى معرفة إمام زمانه. فالإمام هو باب الله، ومنه يؤتى، وهو الدليل إلى الصراط المستقيم. ولهذا كان همُّ الصالحين أن يزدادوا قرباً من الإمام المهدي، لا بمجرد الدعاء، وإنما بالعمل والعلم والإخلاص. وكان بعض العلماء يداوم على قراءة سورة الكوثر وسورة التوحيد وسورة آل عمران رجاء أن يرزقه الله شرف لقاء الإمام، لأنه يعلم أن القرآن والإمام لا يفترقان. - لا تجعل الدنيا تصرف قلبك:
الدنيا تسرق القلوب، وتشغل الإنسان عن أعظم نعمة أنعم الله بها عليه، وهي نعمة معرفة الإمام. فمن جعل همَّه المال أو المنصب أو الشهرة، ضعف ارتباطه بالإمام، أما من جعل همَّه رضا الله، وجد أن قلبه يشتاق دائماً إلى صاحب العصر والزمان. ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا كل يوم: هل نزداد قرباً من الإمام، أم نزداد انشغالاً بالدنيا؟ وهل صار العلم وديعة الله سبباً في هدايتنا، أم بقي مجرد معلومات لا تغير سلوكنا؟ - الأمانة مسؤولية قبل أن تكون شرفاً:
حين يقول الإمام الباقر عليه السلام: «العلم وديعة الله» فإنه يريد أن يحمّل المؤمن مسؤولية عظيمة. فالوديعة يجب أن تُحفظ، ولا يجوز التفريط بها، ومن حفظها بالعمل والإخلاص كان من الأمناء، أما من حمل العلم ولم يعمل به فقد خان الأمانة، وإن تكلم كثيراً أو كتب كثيراً. فالمقياس عند الله ليس كثرة المعلومات، وإنما أثرها في القلب والعمل، ولذلك كان أهل البيت عليهم السلام يدعون دائماً إلى العلم الذي يورث الخشية، ويزيد الإنسان قرباً من الله ومن حجته في أرضه.
العلم وديعة الله وأثره في الثبات زمن الفتن
- العلم وديعة الله هو طريق الثبات:
أيها الأحبة، إن الفتن لا تواجه بالعاطفة وحدها، ولا بالشعارات، وإنما تواجه بالعلم والبصيرة. ولهذا جعل الله العلم وديعة الله في أرضه ليكون سبباً في ثبات المؤمنين. فمن عرف إمامه، وعرف طريق الحق، لم تزلزله الشبهات، ولم تخدعه زخارف الدنيا، لأن قلبه متعلق بالله وبحجته. لقد رأينا في التاريخ كيف أن كثيراً من الناس عرفوا الحق، ولكنهم لم يثبتوا عليه، لأن العلم لم يتحول في قلوبهم إلى يقين. أما أصحاب البصائر فقد بقوا مع الأنبياء والأوصياء في أصعب الظروف، لأن العلم وديعة الله كان نوراً يهديهم عند اشتداد الظلمات. - الإمام المهدي هو باب هذا العلم:
إن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس مجرد شخصية ننتظر ظهورها، بل هو وارث علوم الأنبياء والأوصياء، وهو الحافظ لشريعة جده رسول الله صلى الله عليه وآله. ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يؤكدون أن من أراد الوصول إلى الله فعليه أن يعرف إمام زمانه، لأن الإمام هو باب الهداية، وهو صاحب العلم وديعة الله في هذا الزمان. ولهذا ينبغي أن يكون ذكر الإمام حاضراً في بيوتنا، وفي عباداتنا، وفي دعائنا، وفي أعمالنا، فلا يكون حضوره مقتصراً على المناسبات، بل يكون محور حياتنا، لأن الأمة التي تعرف إمامها لا تضل، والأمة التي تنسى إمامها تكثر فيها الفتن. - القرآن والإمام لا يفترقان:
لقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله بالتمسك بالثقلين، فقال: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً.» ولذلك فإن العلم وديعة الله لا يُنال بعيداً عن القرآن وأهل البيت عليهم السلام. فالقرآن يقود إلى الإمام، والإمام يفسر القرآن، ومن جمع بينهما نجا، ومن اكتفى بأحدهما دون الآخر بقي ناقص الهداية. ولهذا كان علم الأئمة عليهم السلام هو الامتداد الحقيقي لرسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
العلم وديعة الله ومسؤولية المؤمن
- لا تكن من الخائنين للأمانة:
إن الرواية الشريفة لا تكتفي ببيان فضل العلم، بل تحذر من ترك العمل به، لأن الإمام الباقر عليه السلام قال: «ومن لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الله أنه من الخائنين.» وهذه مسؤولية عظيمة، فكل من عرف الحق وجب عليه أن يعمل به، وأن ينصره، وأن يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة. إن العلم وديعة الله لا يبقى محفوظاً بمجرد القراءة أو الحفظ، وإنما يحفظ بالعمل، وبالالتزام، وبالدفاع عن الدين، وبالثبات على ولاية محمد وآل محمد عليهم السلام. - خدمة الإمام تبدأ بإصلاح النفس:
قد يظن البعض أن نصرة الإمام المهدي تكون عند ظهوره فقط، بينما الحقيقة أن النصرة تبدأ من اليوم، بإصلاح النفس، وحفظ اللسان، وغض البصر، وأداء الأمانة، والابتعاد عن الحرام، والحرص على الطاعة. فالإمام لا يريد أتباعاً بالأسماء، وإنما يريد رجالاً ونساءً يحملون أخلاق القرآن، ويكونون أمناء على العلم وديعة الله، حتى إذا أذن الله بظهوره كانوا أهلاً لنصرته، وثابتين تحت رايته. - اجعل الإمام محور حياتك:
إذا خرجت إلى عملك فتذكر الإمام، وإذا دخلت بيتك فاذكره، وإذا قرأت القرآن فاهد ثوابه إليه، وإذا دعوت الله فابدأ بالدعاء له، فإن القلوب إذا تعلقت بالإمام تعلقت بالله، وإذا انشغلت بالدنيا ضعفت صلتها بالسماء. ولهذا كان العلماء يوصون بالإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج، وزيارة مسجد السهلة، وقراءة القرآن، وتجديد البيعة لصاحب العصر والزمان، حتى يبقى القلب حياً بذكره، ثابتاً على ولايته.
النتیجة
أيها المؤمنون، إن أعظم ما نخرج به من هذه المجالس أن العلم وديعة الله، وأن هذه الوديعة لا تحفظ إلا بالعمل، ولا تثمر إلا بمعرفة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، والتمسك بالقرآن والعترة الطاهرة. فمن جعل الإمام محور حياته، وعمل بعلمه، وثبت على ولاية أهل البيت عليهم السلام، كان من الأمناء على هذه الوديعة الإلهية، ونال شرف الانتظار الحقيقي. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الثابتين على ولاية الإمام الحسين عليه السلام، ومن المنتظرين الصادقين للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأن يرزقنا معرفة إمام زماننا، والعمل بما علمنا، حتى نكون من أنصاره وأعوانه عند ظهوره، إنه سميع مجيب.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”