سیاحة التسبیح؛ التعامل الإلهي
الحلقة الرابعة والثلاثون:
التعامل الإلهي بين جميل العادة والبلاء
إننا عندما نقفُ بخشوعٍ عند هذه الكلمة العميقة: «سبحان الجميلِ العادةِ والبلاء»، فإننا نفتحُ باباً واسعاً لفهم حقيقة التعامل الإلهي مع الإنسان. إن العاداتِ الجميلةَ هي من الله، والبلايا الجميلةُ التي يُجمِّل بها سبحانه وتعالى مرارةَ الاختبار هي من شؤونه العظيمة؛ ومن أسمى تجليات هذا الجمال أن الله جعل بعد العسر يُسرين. أقول لكم من هذا المنبر: إن البلاء على المؤمنين يُخفَّفُ دائماً، وهذه هي عادةُ الله الجارية التي لا تتخلف، بينما نجد أن الكافرين يُنزل عليهم البلاء إنزالاً شديداً لا رحمة فيه في ظاهره. أما المؤمن، فإن بلاءه يكون يسيراً، ويُحاطُ بعوضٍ إلهيٍّ مذهل؛ عوضٍ مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهذا التعويضُ الربانيُّ هو الحقيقةُ الكبرى التي تُسكِّن الألم وتجعل النفسَ راضيةً مطمئنة.
إن الإله سبحانه منزهٌ تماماً أن يكون له مثلٌ في هذا النوع من التعامل الإلهي، أو شريكٌ يُدبّر أمره. وهنا يجب أن نلتفت إلى مقام خلفاء الله؛ فهؤلاء هم أياديه في خلقه، يفعلون ما يُؤمرون به فحسب، ولا يكون لهم رأيٌ من عند أنفسهم استقلالاً عن إرادته. كما أن الإله لا يكون مثل الأنبياء (غير الأربعة عشر معصوماً)؛ فهؤلاء الأنبياء والأوصياء قد يفعلون بآرائهم المنبعثة عن معدن العقل الكامل والرأي الراجح، ولكن مع كمال عقولهم، يظل الإله متفرداً في أفعاله ولا يؤدّون هم عمل الإله بالاستقلال. إن التعامل الإلهي يتفردُ فيما يقع من بلاءٍ بالعباد، بينما يحتاج الأنبياء دائماً إلى التفويض إلى الله؛ فمهما بلغ النبي من مقام، لا يقدرُ أن يُنزِل بلاءً تأديبياً على مجتمعٍ أو أمةٍ أو حتى أولاده إلا بإذن الله، وهذا البلاء الرباني تحفّه النِّعَم التي يحفظ الله بها البيت والملة، فكلُّ بلاءٍ ينزل على ابن آدم من المؤمنين فهو محفوظٌ بالنِّعَم الإلهية المحيطة.
“لمشاهدة الحلقة 34 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
تجليات التعامل الإلهي في التوحيد والولاية
-
تفرّد الذات الإلهية في التدبير:
إن الله سبحانه متفردٌ في أفعاله، ومنزهٌ عن الشبيه في منهج التعامل الإلهي مع خلقه؛ فهو الحكيم الذي يضعُ البلاء في مواضع النعمة، والنعمة في طيات البلاء. الأنبياء هم عبادٌ مكرمون يدخلون في “رأي الإله”، أي أنهم يمثلون يد الله الباسطة بالرحمة أو التأديب، ولكن يظل المصدر الأول هو الله الأحد المتفرد الذي لا نظير له. -
أثر التعامل مع صاحب الزمان:
إن التعامل مع الإمام المهدي (عليه السلام) والتعامل مع الإمام علي (عليه السلام) فيه آثارُ التعامل الإلهي ذاتها؛ فأنت حين تتعامل مع المعصوم، تجد آثار الإله الأحد المتفرّد في التعامل. الإمام صاحب الزمان الذي أنزله الله علينا، إذا كنا من المؤمنين، نجد في تأديبه لنا نفس آثار الرب تعالى؛ فهو تأديبٌ يحفّه بالنِّعَم، وهو تأديبٌ مُصيبٌ ينتهي بالإنسان إلى حقيقة “الأدب” والكمال الروحي. -
علي بن أبي طالب آية الله العظمى:
إننا حين نأتي بمثال علي بن أبي طالب ونحن في بحث التوحيد، فذلك لأن علياً هو آية الله العظمى وعلامته الكبرى. لقد شاهدنا في تاريخه كيف يمثلُ التعامل الإلهي؛ فهو مرجوٌّ في جميع أفعاله بالمؤمنين. إذا قام بمقام الأبوّة والتأديب فهو مرجوّ، وإذا قام بمقام إطعام العسل لليتيم فهو مرجوٌّ كذلك. تاريخُ أبي الحسن وأولاده هو المثالُ المعبّر عن الله تبارك وتعالى وكيف يصنع بالعباد. -
البلاء الجميل للأشقياء:
إن العبارة كانت أوسع من مجرد المؤمنين؛ فهي تشمل الأشقياء أيضاً. نحن كبشر قد نتعامل مع الأشقياء بضعفٍ أو جزع، ولكن التعامل الإلهي معهم يهدف إلى ترك العناد والميل إلى الربح. إن غاية إتمام الحجة التي يُتمّها الله على الأشقياء هي أمرٌ جميلٌ جداً، لأنها تعطي العاصي كل الفرص الممكنة قبل الحساب.
التعامل الإلهي مع الأشقياء وإتمام الحجة
-
الحلم النبوي مع المنافقين:
انظروا كيف تعامل النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) مع المنافقين؛ لقد طعموا العدل اللذيذ والإنصاف من هذا البيت الطاهر. إن النبي عامل المنافقين كما عامل المؤمنين، وبذل لهم كل ما بذله للمؤمنين في الظاهر؛ وهذا التعامل الإلهي الجميل مع الأشقياء لا تجدونه في غير دوحة النبي محمد (ص). -
مهلة إبليس والظالمين:
إن إعطاء المهلة للظالمين، وحتى للإسرائيليين في زماننا، هو من جمال التعامل الإلهي؛ لعلهم يميلون إلى ربهم الكريم أو يذوقوا العدل والرحمة فيعتذروا ويتوبوا. وأعظم مثال هو إبليس؛ فالله تعالى لم يُعجِّل بعقوبته بل أعطاه مهلةً إلى يوم الوقت المعلوم رغم علمه بعدائه. هذا الحلم العظيم مع أشقى الأشقياء هو تعاملٌ بلا تعجيل، وهو منزهٌ أن يكون لغير الله مثلُه. -
المد الرباني للظالمين:
إن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. هذا المدُّ الذي مُدَّ لإبليس ولجماعة مناهج السقيفة هو حقيقةُ التعامل الإلهي الذي يمنح فرصةً للتوبة ولا يعجل بالعقوبة. حتى إن الواحد لو تاب بكلمة واحدة يوم القيامة واعترف بحق محمد وآل محمد، فإن الله المقتدر يتعامل معه بعفوٍ مذهل؛ فسبحانه من إلهٍ حليم. -
صبر الأوصياء والقدرة الغيبية:
إن الإمام الرضا (عليه السلام) لم يُعجِّل على المأمون ولم يستخدم قوة الإمامة ليقول للأرض “ابلعي الماء”، بل أوصاه بالإحسان لابنه الجواد. الأنبياء والأوصياء كالإمام المهدي يقدرون أن يقولوا “يا أرض ابلعي الطغاة” كما فعل موسى مع قارون، لكنهم يلتزمون بآداب التعامل الإلهي الذي يمنحُ الطاغية مهلةً ممتدة من مهلة الله نفسه.
أصول الشكر والبراءة في مدرسة التوحيد
-
المستحق الحقيقي للشكر:
إن الذي يستحقُّ الشكر بالذات هو الله وحده؛ فالمبنى التوحيدي يقوم على أن الله هو “المشكور فقط”. نعم، نحن نشكر الوالدين والمنعمين بأمر الله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾، ولكن هذا الشكر هو جزءٌ من مسير شكر الإله. يجب أن يكون هناك فرقٌ ملحوظ بين تعظيم الرب وتعظيم المربوب في التعامل الإلهي، فلا نُقدِّم المربوب على الخالق أبداً. -
التمييز في الثناء:
-
يجب أن يكون هناك فرقٌ في التعبير بين المعصومين وغيرهم؛ فلا نساوي بين العلماء وبين الأئمة (عليهم السلام). الثناء المطلق والكلمات كـ “المهيمن” و”العزيز” لا تليق إلا بالله وحده، ومن أُذن له من الله يستحق الثناء بإذنه. إن التعامل الإلهي يقتضي أن نعرف أين نلقي كلمة المدح، وأين نلقي كلمة الذم على جبابرة أعداء الله.
-
البراءة وجوهر التوحيد:
إن علم التوحيد وأبناء الآخرة يمدحون من مدحهم الله ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، ويذمون من ذمهم الله. إن مدح أعداء الله كيزيد وجبابرة الزمان هو “شرك”، لأن المنزَّه هو وحده من يستحق الثناء. النبي (ص) كان يميّز بين المخلص والمنافق، ونحن نتبع إمامنا علي بن أبي طالب في براءته من أعداء الله ومن غصبوا مقامه. -
لعن المنافقين وثمرات أفعالهم:
إن لعن المنافقين وأفعالهم وثمراتهم ينبع من أن الحمد المتفرد لله خالصاً. لقد تبرأ الله ورسوله من المشركين، وعليٌّ تبرأ من الذين آذوا رسول الله وأماتوا سننه. إننا نُجلُّ الله حين نُزيل الاحترام والتقدير عن أعدائه، ونكشف زيف حضارتهم؛ فمن الإمام المهدي لم يرد إذنٌ باحترام الأشقياء، بل واجبنا تحقيرهم وإذلالهم تماشياً مع التعامل الإلهي الحق.
النتيجة
إن خلاصة هذا البحث تنتهي بنا إلى أن التعامل الإلهي هو مدرسةٌ متكاملة من الجمال والحلم؛ فالله لا يهين المؤمنين بل يؤدبهم بالرحمة، ويمنح الأشقياء مهلةً لإتمام الحجة. إن واجبنا اليوم هو التمسك بمنهج آية الله العظمى علي بن أبي طالب وأولاده، واليقين بأن كل ما يمر بنا من بلاء هو “جميل العادة” إذا نظرنا إليه بعين التوحيد، مدركين أن التبري من أعداء الله هو الوجه الآخر لشكره والثناء عليه، وأن الدين لله خالصاً مخلصين له الدين.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”