سیاحة التسبیح؛ الولاية والتوحيد
الحلقة الثانیة والثلاثون:
الولاية والتوحيد: حقيقة الاستحقاق وعفو الخالق
نقف اليوم، أيها الأحبة، في رحاب شرح دعاء الإخلاص، لنتأمل بعمق في تلك العبارة النورانية: “سبحان من في منتهى الإتقان“. إننا حين نتدبر في تقلب أحوالنا وشؤوننا، نجد أن الإنسان في كثير من الأحيان قد يستوفي حقوقاً في هذه الدنيا ويظنها ملكاً صرفاً له، لكن الحقيقة الكبرى التي يجب أن تترسخ في وجداننا هي أننا نتقلب في نعم الله سبحانه بلا استحقاق ذاتي منا. إنني أقول لنفسي أولاً ولكم ثانياً: إذا استيقظنا في صباحنا، هل نحن مستحقون حقاً لهذا النَفَس؟ إن الوجود الإنساني كله يدور في الفلك بين فضل الله وطوله، والاعتراف بهذا العجز والفقر هو العتبة الأولى والأساسية للعبودية الحقة.
إن الله سبحانه وتعالى هو المنزه عن الشبيه، وهو الوحيد الذي يغدق العطايا والمنن على من لا يستحق، وهذا هو التفرد الإلهي الذي لا مثيل له في الوجود؛ فهو منزه أن يكون فعل غيره كفعله. إن كلماتي هذه التي ألقيها عليكم تنبع في أصلها من الإقرار بعفو الله، وهذا الإقرار هو في جوهره اعتراف صريح بالتقصير مع الخالق. نحن مهما عبدنا، ومهما شكرنا، ومهما سجدنا، لا يمكننا أن نخرج عن “حد التقصير المعروف“. إننا جميعاً ننتظر يوم الحساب، ونعلم يقيناً أن كل صغير وكبير، وكل نَفَسٍ لم نثنِ فيه على خالقنا ولم نشكر نعمته، هو موضع تقصير بين يدي الله الذي يعفو ويغدق النعم رغم كل شيء.
“لمشاهدة الحلقة 32 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
ملامح رسالة السماء وحصن المؤمن الموحد
-
الإقرار بالتقصير وعفو الله النافذ:
إن حقوق كل واحد منا قد تهتك وتضيع إذا لم تكن في رعاية عفو الله وشغل حمايته، فقدرة الله نافذة فينا في كل آن، سواء كنا في عداد الأحياء أو صرنا إلى الأموات، فنحن لله وإليه راجعون دائماً. -
بلاغ الرسالة والثقة بالعفو:
هذا التصور ليس مجرد وعيد أو تهديد، بل هو بلاغ سماوي يضع الإنسان العاصي أمام مرآة أخطائه، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الثقة المطلقة بعفو الله، ليعلم المؤمن أنه ليس مترصداً للعذاب الأليم أو المهين. -
حصن الله ورسالة السماء الصادقة:
إن التمسك بهذا الدعاء هو “حصن الله” للمؤمن الموحد، وهي بشارة جاءت من رسالة السماء التي اعترف بصدقها حتى الخصوم؛ فرسول الله (ص) كان الصادق الأمين حتى في نظر من عادوه وعبدوا الأصنام. -
رغد العيش المستند إلى العهد:
إن رغد العيش الذي قد يناله الإنسان ليس صدفة أو بلا أساس، بل له سند وثيق في الآيات المحكمة، وهو “عهد الله” الذي يربط الأرض بالسماء، ويجعل حياة المؤمن ذات معنى وهدف يتجاوز الماديات.
الولاية والتوحيد كشرط أصيل للنجاة والسكينة
-
الولاية والتوحيد بشروطهما:
حين نسأل عن ماهية العهد الذي نتمسك به، نجد أنه التوحيد بشروطه، وأعظم هذه الشروط هي ولاية علي بن أبي طالب؛ فالإنسان الموحد هو الذي يعترف بعفو الله عن الظلمات وينتظر رحمته عبر هذا الطريق. -
امتياز شيعة علي بن أبي طالب:
أقولها بملء الفم: يا شيعة علي، إنكم تملكـون شيئاً ثميناً جداً لا يملكه غيركم، أنتم تمتلكون السند الإلهي، وقد سطر القرآن الكريم أن شيعة علي هم “خير البرية” الذين وعدهم الله بالمغفرة والرحمة. -
الثبات في وجه الضيم والاضطهاد:
لقد تحملتم في سبيل هذا الانتماء الضيم، والتهجير، وظلم الأعداء، وثبتم على مود حفظ شرط التوحيد؛ فالله تعالى لا يرضى لعلي وشيعته إلا العزة في نهاية المطاف مهما اشتدت الابتلاءات في الدنيا. -
الارتباط بخاتم الأوصياء والحكمة:
إن عقيدة “علي ولي الله” تمتد لتصل إلى خاتم الأوصياء الإمام المهدي (عج)، وعندما تتجذر هذه العقيدة في الروح، تفيض الحكمة والسكون، ويصبح الكلام كله متصلاً بأساس العقيدة المتجذرة في وجدان المؤمن. -
سكن المؤمنين وطمأنينة القلب:
إنني أتحدث عن “سكن المؤمنين”، ذلك الاطمئنان الذي لا يوصف عند الوفاة؛ فحكم الحاكم الأحد الفرد يمسح كل اضطراب، تماماً كما كان قلب الإمام الحسين (ع) في سكون وبرد وطمأنينة رغم عظم المصائب. -
سند الثقلين وعصمة الله:
إن الاطمئنان الحقيقي يكون بالثبات على هذا النهج الذي يربطنا بعصمة الله، وهو طريق سند الثقلين: كتاب الله وعترتي، وهو الطريق الوحيد الذي يجعل الإنسان ساكناً ومطمئناً إلى حكم الله الجاري والنافي.
النتيجة
إن خلاصة بحثنا في الولاية والتوحيد تقودنا إلى أن محور نجاتنا يدور حول الاعتراف بالتقصير المطلق أمام فضل الله، والثقة الكاملة بعفوه الذي لا ينال إلا عبر بوابة ولاية علي بن أبي طالب وأبنائه المعصومين. إن هذا الطريق هو “العهد” الذي يمنحنا السكينة في الدنيا واليقين عند الموت، وهو الذي جعل المؤمنين “خير البرية” ببركة تمسكهم بالثقلين، ليكون كلامهم وعقيدتهم متجذرة في روح الحكمة الإلهية التي لا تتبدل ولا تزول.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”