فوائد العقل؛ نصرة الإمام المهدي
الحلقة العاشرة:
نصرة الإمام المهدي (عج) والاستفادة من العقل والاعتبار بالآثار
صلّى اللهُ على المنتقمِ لسارقِ بابِ اللهِ، حجابِ اللهِ، وليِّ اللهِ، خليفةِ اللهِ، سفينةِ النجاةِ، وعينِ الحياةِ، جامعِ الكلماتِ، مهديِّ الأمانِ، بضعةِ المصطفى وروحِ المرتضى وثمرةِ فاطمةَ الزهراءِ. عجّلَ اللهُ له الفرجَ وسهّلَ له المخرجَ. أيها المؤمنون، إن قلوبنا تلهب بنار الشوق، وقائلة تقول فينا: ما القعود وفي الأحشاء تلهب جمرها؟ فقم أنت واضرب بالحسام وبالقنا، فقد هبّ سوداً واملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. فوالله لا أنجزتُ للصحبة موعدي، ولا أنا جرّبتُ الحسامَ في المواقف الصعبة، ولا عرقتْ بي عصبةٌ هاشميةٌ أسودُ بيومِ الروعِ والخطبُ قد عوى، إن لم أكن في طليعة الداعين إلى نصرة الإمام المهدي.
إننا اليوم، وفي خضم هذه الفتن المتلاطمة، نتحرك في مسيرة الاستفادة من العقل والانتفاع به لنفهم تكليفنا الشرعي تجاه غيبة ولي الله. العقل مع العلم هو الميزان الإلهي، كما أوصى مولانا موسى بن جعفر (عليه السلام) تلميذه هشام بن الحكم حين قال: “يا هشام، ثمّ بيّنّا أنّ العقل مع العلم فقال: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون”. إن هذا العقل هو الذي يبصرنا بما يحدث للأمم من حولنا، صباحاً ومساءً، لنجد أن ما جرى على الآثار في فينيقيا وفي لبنان وفي ديار السدوم ليس مجرد حكايات تاريخية، بل هي عبرٌ لمن أراد أن يبلغ مدى رجال الإيمان العشرة في نصرة الإمام المهدي. إن من ينظر إلى المحرمات، وإلى الغلام بشهوة، فكأنما لطم علياً (عليه السلام) على خده؛ لأن المعصية الواحدة قد تُبيد أمةً كاملةً، وما نشهده اليوم في الغرب من شذوذ يعجّ ويخالف الفطرة الإنسانية، هو نذير شؤم بخراب الأمم التي تركت النهي عن المنكر ولم تهيئ نفسها لاستقبال نور الله.
السنن الإلهية وتزكية القلوب لتهيئة موطئ القدم
- الاعتبار بالآثار السالفة وتغير الرياح السوافي:
تأملوا أيها الأحبة في تلك البيوت التي بناها من هم أشدُّ منّا قوّةً وأموالاً، كيف أصبحت اليوم تستضيف الرياح السوافي بتربها وغبارها. لقد أبقى الله جسد فرعون وعذاب قوم لوط في قرية السدوم عمداً، لكي نمرّ بها مصبحين وبالليل، فنتساءل: هل عقلنا الدرس؟ إن سنة الله لن تجد لها تحويلاً، ومن أراد نصرة الإمام المهدي عليه أن يدرك أن الله يقلب عالي الأرض سافلها بأمر واحد إذا طغت المعصية. إن هؤلاء المتغربين الذين لا يخافون الذنب وهم بفاصل جدار واحد عن الحرام، إنما يعطلون عقولهم ولا يبصرون كيف يفتك الله بالظالمين ولا يبقي لهم باقية، ولا يلتفت لهم التفاتة شفقة، تماماً كما حدث مع زوجة لوط التي أصابها ما أصابهم لأنها التفتت بقلبها نحوهم. - تطهير القلب من “البقية” ومن نور الشفقة الزائف:
في طريق نصرة الإمام المهدي، نواجه حقيقة مرّة أشار إليها الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر بن يزيد الجعفي. حين نزل الزلزال بأعداء الله، قام جابر يتحنن ويشفق على نسائهم وصبيانهم، فقال له الإمام كلمة عظيمة: “بقيتْ فيك بقيةٌ يا جابر“. إنك يا جابر لا زلت تصرِف نور الشفقة ونور الحنان على غير فاطمة، وعلى من عادى فاطمة. إن الإيمان لا يكتمل حتى تنهي من قلبك رحمتك لمن مقتهم الله. انظروا إلى الملائكة حين تنزل بالعذاب، لا تأخذها شفقة ولا رحمة، بل ينزل سبعون ملكاً تعظيماً لأمر الله، يشدّون الناصية بالقدم ويدقّون العظم. فلا مكان للتعاطف مع من خان الله ورسوله في قلوب الطامحين نحو نصرة الإمام المهدي. - الغضب لله (التأسّف) وملازمة الحق:
يقول الله تعالى: “فلمّا آسفونا انتقمنا منهم”، والتأسف هنا هو شدة الغضب والغيظ لله. إن الذي يطمح ليكون من الموطئة لسلطان المهدي، يجب أن يمتلئ قلبه غيظاً على الظالمين. لا يجوز للمؤمن أن يرضى بالراتب أو الغذاء من يد فرعون وهو يرى عباد الله يُسمّرون بالأوتاد أو يُحرقون. إن هذا التأمل في النعمة المادية الزائلة يجعلك تصطفّ مع أهل كوفان الذين أحبوا الحسين بقلوبهم ومالوا مع دراهم ابن زياد بسيوفهم. إن نصرة الإمام المهدي تتطلب قلباً لا يلين للأشقياء، ولا تغريه أموالهم، بل يترقب ساعة الانتقام لثار الله وثار بضعة المصطفى (صلى الله عليه وآله).
فتنة السفياني والاختبارات الاقتصادية والاجتماعية في عصر الغيبة
- التمييز بين صاحب الأبدان وصاحب الأديان:
يروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) كلام يهز الوجدان لمن يكثر من دعاء الفرج وهو غير مستعد، إذ يقول: “ما أنا بصاحبكم، إنما صاحبهم السفياني“. هذه الكلمة تعني أن الكثير من الناس إلههم هو راحة الأبدان، يبحثون عن الشوارع والكهرباء والضمان الاجتماعي، والسفياني هو من يضمن هذه الأمور المادية. أما صوت علي بن أبي طالب وصوت المهدي، فإنه قد يُرمل النساء ويُيتم الأطفال لإعلاء كلمة الله. فهل أنت مستعد لهذه المقايضة؟ إن نصرة الإمام المهدي تقتضي تقديم كلمة الله العليا على كل اقتصاد وراحة، بينما السفياني يمثل الجاهلية المجرمة التي تقوم على رفاهية الجسد ودمار الروح. - امتحان الأرزاق وقطع الرواتب عند النداء:
لقد ترك الناس مسلماً بن عقيل في الكوفة بمجرد أن نادى المنادي بقطع الرواتب والأرزاق. فكروا معي: إذا ظهر المهدي غداً ونادى المنادي أن من يلتحق به سيُقطع راتبه وتجوع عياله، كم من الناس سيبقى معه؟ إن الذي يبحث عن الخبز واللبن قبل البحث عن الحق، لن يقوى على نصرة الإمام المهدي. إن اقتصاد العالم اليوم قائم على السنن اليهودية والمسيحية والشرك في الصين والهند، والمهدي سيأتي ليحطم كل هذه المنظومات الربوية ويفرض نظاماً إسلامياً جديداً، فمن كان رزقه معلقاً بـ “هبل” أو “العزى” المعاصر، سيعتبر الإمام “مجنوناً” لأنه يهدد مصدر عيشه. - الإمام الثائر وتحطيم أصنام الجاهلية الحديثة:
الإمام المهدي هو الإمام الثائر الذي لا يداهن ولا يهادن. سيأتي ليلغي اقتصاد الأوبك والبنوك الربوية والديانات المحرفة. إننا اليوم في جاهلية تقول إن رزقنا بيد الغرب وبناء الغرب، ولكن المهدي يلغي الغرب ومن فيه في ليلة وضحاها. إن نصرة الإمام المهدي تتطلب وعياً اقتصادياً وسياسياً يرفض التبعية لليهودية التي تشتهي عطلة السبت وتتحكم في أرزاق العباد. إن المهدي هو القائم بإبطال كل باطل وإحقاق كل حق، وهذا يتطلب رجالاً لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا زائل، بل يوطنون أنفسهم على القلة والزهد في سبيل السلطان الإلهي.
صفات الأنصار وليلة الظهور عند جبل ذي طوى
- خروج الإمام من جبل ذي طوى وأذلّ الناس:
يخرج الإمام من جبل ذي طوى، حيث يلتقي بجده رسول الله (ص) وجده أمير المؤمنين (ع). هناك، وفي رق منشور، يُملي رسول الله على علي كاتب الوحي إذن الفرج، ويُعطى الكتاب بمهر وخاتم رطب بيد المهدي. يدخل الإمام مكة وهو يظهر في أعين الناس كأنه “أذل الناس”، يمشي وحيداً لا تحفه العساكر، القرآن ينعاه بـ “الخُنَّس” الذي يختفي عن الأنظار. لكنه في الحقيقة هو الأعز بالله وبجبرائيل. إن من يبحث عن نصرة الإمام المهدي يجب أن يواسيه في غربته، ويفكر فيه وهو يستظل تحت الأشجار وحيداً حزيناً، ويقيم المجالس الحسينية تحنناً عليه وإسناداً لقلبه المفجوع. - قوة الأنصار التي تفوق صلابة الجبال:
الأنصار الذين ينتظرهم المهدي هم رجالٌ أعدّتهم مجالس الحسين (عليه السلام). سُئلوا عن مدى ثباتهم فقالوا كلمات تُكتب بماء الذهب: “لو إلينا الجبال، إنا نحمي الجبال“. إن الجبل هو المسمار الذي يحفظ الأرض من الزلزال، وهؤلاء الرجال أصلب من الجبال، لا تهزهم المصائب ولا تلويهم البلايا. لقد غسلوا أنفسهم من الدنيا وتابوا في محراب الحسين، وجعلوا صلة المهدي أوجب من بر الوالدين والولد. هؤلاء هم الذين سيهبّون نحو مكة شوقاً للقاء يوسفهم، لا يطلبون كعبةً بل يطلبون إماماً، لأن قلوبهم تهوي إليهم، وبهم تتحقق نصرة الإمام المهدي. - أحداث ليلة الظهور ومواجهة التنين:
في يوم عاشوراء، يقف الإمام الثائر عند الكعبة، فيضرب جبرائيل على منكبه ويقول: “أُذِنَ للذين يُقاتَلونَ بأنّهم ظُلِموا”. يثب أهل مكة ومنظمة الجاهلية العالمية ليقتلوه في الحرم، لأنهم يدركون أنه جاء ليهدم عروشهم وقوانينهم. إن هناك عزيمة شيطانية قديمة، ذكرتها التوراة بوصف التنين الذي يطارد وليد “المرأة التي في السماء” (فاطمة). ولكن الله يجمع للمهدي أنصاراً من كل فج عميق، يجمع له أصحاب الكهف وسحرة موسى وحزقيل النبي، وكل من عاش متلهفاً على نصرة الإمام المهدي، ليبذلوا الروح ذبّاً عن دين جده.
النتيجة
إن الخلاصة المستقاة من هذا البحث في نصرة الإمام المهدي هي أن الانتظار ليس حالة سكونية، بل هو “إعداد العُدّة” وتوطين النفس على الصعاب. لا تدرك الفتح إذا كنت مشغولاً بمتجر في البصرة أو سداد ديون أو رحلة حج سياحية حين يخرج المنادي. إن صلة المهدي هي أعظم الواجبات، وذكراه هي أهم الأمور. علينا أن نحذر من “السفياني” الكامن في داخلنا، الذي يطلب الأمان المادي على حساب العقيدة. اللهم أرنا الطلعة الرشيدة، واكحل أنظارنا بنظرة منا إليه، واجعلنا من خيار أعوانه وأنصاره والمستشهدين بين يديه، إنك سميع مجيب.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”