توضیح کلام أمير المؤمنين (ع) حول عطف الهوى على الهدى

شمس لاتغيب؛ عطف الهوى على الهدى؛ الحلقة 80

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ عطف الهوى على الهدى

الحلقة الثمانون:

حقيقة الصراع بين الهوى والهدى ومدرسة نهج البلاغة

أقف معكم اليوم، أيها الأحبة، عند کلمةٍ جليلةٍ وخطيرةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، حيث يصف واقعاً مؤلماً بقوله: «يعطف الهوى على الهدى». إنّ هذه العبارة العميقة تختصر جوهر الانحراف البشري في كل زمان ومكان؛ فالأصل والواجب هو أن نتبع الهدى الإلهي، لكنّ الواقع المرير يرينا كيف يحاول الإنسان بكل قوته أن يجعل الهدى تابعاً لهواه ولرغباته النفسية، بدلاً من أن يكون هو تابعاً للحق.

إنّ قضية عطف الهوى على الهدى تعني في عمقها أن يمتلك المرء أهدافاً نفسية مسبقة، ومطامع شخصية دنيوية، ثم يلبسها لباس الدين والشرعية. هو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يبرر أفعاله، فيحاول تطويع النصوص الإلهية وليّ ذراع الآيات والروايات لتخدم مآربه الخاصة وصراعاته السياسية أو الشخصية، وهذا لعمري هو عين الضلال والابتعاد عن صراط الله المستقيم.

 

تجليات الانحراف والتمسك بنهج الهدى

  • استغلال الشعارات المقدسة والسلطان:
    لقد رأينا عبر التاريخ، ونرى في واقعنا المعاصر، كيف يُتخذ الدين والهدى مجرد وسيلةٍ للوصول إلى السلطان والملك والجاه. إن الهدى الحقيقي والمنهج القويم يتجسد في نهج الإمام الحسين عليه السلام الذي بذل مهجته لله، ولكن هناك من يأتي ليتساءل بجهل أو خبث: «ما شأنك بظروف الحسين؟»، متناسياً أن ظروف الإمام لم تكن مهيأة مادياً لأحد، بل كانت محنةً إلهية كبرى، ولو تكررت تلك الظروف في زمن الإمام السجاد عليه السلام لكان هو القائم بلا شك.
  • شعار «يا لثارات الحسين» بين الحقيقة والادعاء:
    إن المشكلة الكبرى تكمن فيمن يرفع الشعارات البراقة مثل «يا لثارات الحسين»، بينما هو في باطنه وباطن أمره لا يطلب إلا التسلّط على رقاب الناس وتثبيت ملكه. هذا هو أوضح مصداق لعملية عطف الهوى على الهدى؛ حيث تُعطف كلمات الحق والشعارات الحسينية على هوى النفس ومطامعها. إن الصحيح الذي أؤكد عليه دائماً هو أن يُعطف الرأي على القرآن، لا أن يُعطف القرآن على الرأي؛ لأن من يفسر النصوص وفق ميوله، يميل بالهدى حيث يشاء، وهو بذلك يضل ويُضل.

 

صفات أنصار الإمام المهدي (عج) وملاحم الغد

  • أنصار المهدي والاستثناء في زمن الفتنة:
    أيها الأحبة، سيأتي زمان يستخدم فيه عامة الناس الكلمات المقدسة والشعارات الدينية فقط لحفظ مصالحهم، وأرزاقهم، وسلطانهم الزائل. ولكن، هناك فئة متميزة وهم أنصار الإمام المهدي عليه السلام، صفتهم هي العكس تماماً؛ ففي يوم يميل فيه الناس مع أهوائهم ويطبقون عطف الهوى على الهدى، نجد هؤلاء الأنصار هم الذين يعطفون آراءهم على القرآن. حين يقول لأحدهم رأيه الشخصي: «هذا الأمر لا يصح»، لكنه يجد القرآن يأمر به، فإنه يسحق رأيه ويخضعه فوراً لكلام الله.
  • بلاغة الحرب واستعارات الملاحم القادمة:
    يُحذرنا مولينا أمير المؤمنين من أيام عصيبة قادمة بقوله: «حتى تقوم الحرب بكم على ساق بادية». هذه الاستعارة تعني أن الحرب ستكون في غاية الشدة والجدية، كما يكشف الإنسان عن ساقه إذا أراد عملاً شاقاً يحتاج عزيمة وقوة. ويصفها ببراعة بقوله: «باديَة نواجِذُها»، أي تظهر أنيابها من شدة الحنق. إنها حرب «حلوٌ رضاعُها، علقماً عاقبتُها»؛ قد تبدو مغرية في بدايتها للبعض، لكنها لا تخلف في نهايتها إلا المآسي والفقر والأيتام، فهي معارك مُرّة العاقبة.
  • العدالة المهدوية وإحياء السنن الموات:
    أقول لكم بضرس قاطع: إنّ غداً سيأتي بما لا تعرفون، حيث «يأخذ الوالي من غيرها عمّالها على مساوئ أعمالها». سيعاقب الإمام المهدي (عج) الظالمين ومن رضي بفعلهم؛ فمن رضي بالظلم والقتل فهو شريك فيه، كما في واقعة الجمل حين اعتبر الإمام علي (ع) الراضين بالقتل شركاء فيه. وعند الظهور، «تُخرج له الأرض أفلاذ كبدها» من الكنوز والموارد، وتنكشف له مقاليد الأرض، فتخضرّ الصحارى وتحيا الأرض الموات ببركة وجوده الشريف.

 

النتيجة

إن الخلاص الحقيقي للبشرية يكمن في ذلك اليوم الذي يُريكم فيه الإمام المهدي عليه السلام كيف يكون «عدل السيرة» في السلوك والحكم. سيقوم بمهمته الكبرى وهي «إحياء ميت الكتاب والسنة»، فيعيد الروح إلى الآيات والروايات التي هجر الناس العمل بها، ويُحيي السنن التي أُميتت بسبب عطف الهوى على الهدى. عندها فقط، يعود الحق إلى نصابه ويحكم الدين الخالص أرجاء المعمورة تحت راية العدل الإلهي.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه