شمس لاتغيب؛ جاهلية الأمة
الحلقة الحادية والسبعون:
جاهلية الأمة وتحذيرات عصر الظهور
أعزائي وأحبائي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أقف اليوم أمامكم لنبحر معاً في أعماق روايةٍ تهزُّ الوجدان وتوقظ الضمائر، قال فيها إمامنا عليه السلام بصيغة التأكيد: «اعلموا علماً يقيناً أن الذي يستقبل قائمنا من أمر جاهلي، وذلك أن الأمة كلها يومئذ جاهلية». إنني حين أتأمل في هذه الكلمات القدسية، أجد نفسي أمام تحذيرٍ شديد يلامس واقعنا المعاصر؛ فالأمة التي ستواجه الإمام صاحب الزمان ليست أمةً مستنيرة بالمعنى الروحي العميق، بل هي غارقة في جاهلية الأمة، إلا من رحم ربي من أولئك الذين يلقونه بقلوبٍ سليمة عامرة بالإيمان.
إن هذه الجاهلية التي يتحدث عنها الإمام ليست مجرد غياب للعلم التجريبي أو التقني، بل هي انحرافٌ خطير في الرؤية الكونية والمسلك الإنساني. نحن نعيش في زمنٍ يظن فيه الإنسان أنه ملك ناصية العلم، بينما هو يغرق في جهلٍ مطبق بحقيقة وجوده ومآله. إن جاهلية الأمة في عصر الظهور تعني أن القلوب قد غُلفت بالماديات، وأن البصائر قد عميت عن رؤية الحق، مما يجعل مواجهة الإمام أمراً شاقاً يحتاج إلى تمحيصٍ عظيم وتسليمٍ مطلق لمشيئة الله تعالى في خلقه.
التكنولوجيا والرفاهية: قناع الجاهلية المعاصرة
-
خداع المظاهر البراقة:
إن ما نراه اليوم ونطلق عليه مسمياتٍ براقة كـ “التكنولوجيا” و”التطور” و”الازدهار”، هو في جوهره قمعٌ مقيم يُسمى الجهل، ونحن للأسف نلهث وراءه. نحن نلتهم الرفاهية التهاماً، ونعيش في سباقٍ محموم نحو زخرف الحياة الدنيا، متناسين أن هذا السباق يسبب جاهلية الأمة. -
الآثار الخفية للمدنية الحديثة:
هل سألتم أنفسكم عما لا نراه خلف هذا الستار؟ إننا لا نرى قصر الأعمار، ولا تفشي الأمراض الفتاكة كالسرطان، ولا انحلال الروابط الأسرية وحالات الطلاق التي تفتك بمجتمعاتنا. إن هذا الذم الكبير في الكتاب والسنة لبناء القصور والبنايات الشاهقة هو تحذير من الغرق في الماديات التي تعمينا عن حقيقة الأمور. -
العمى عن الحقائق الكونية:
لقد أصبح الناس عمياناً، فلا يدركون أن موت الفجأة الذي استشرى هو نتاجٌ لهذه التكنولوجيا ونوعية الأطعمة التي نتناولها. إن الانغماس في الرفاهية جعل الإنسان لا يرى أبعد من يومه، مما يعزز حالة جاهلية الأمة ويجعله غير مستعد للقاء الحجة بن الحسن عليه السلام.
الدين بين التسليم الصحيح والتبربر العلمي
-
جوهر العبادة هو التسليم:
نحن كشيعة أدركنا الصلاة وصيام شهر رمضان، ولكن البعض بدأ ينظر للعبادة من منظارٍ مادي، فيشرح الركوع والسجود بوصفهما “أفضل رياضة”. أقول لكم: إنني لا أريد أن أقترض كلماتٍ من هؤلاء، فالدين لا يأتي بالتفاصيل المادية، بل جوهره هو “التسليم الصحيح” لله ولأهل البيت. -
المردود البدني والروحي للصلاة:
إن آثار العبادة تتجلى في أبداننا قبل أرواحنا؛ فقد أثبت العلم أن صلاة الظهر تقي الكبد، وصلاة العصر تقي الكلية، والسجود الصحيح يقي من أمراض الفقرات. هذا “مردود الحركات” على الجسم هو حقيقة، لكن الطمأنينة الكبرى تكمن في ذكر الله الذي يطرد جاهلية الأمة من القلوب. -
امتياز التشيع في زمن الفتنة:
إن وجودنا في دائرة التشيع هو امتيازٌ معنوي هائل يغيب عنا أضرار التكنولوجيا. الإنسانية الحقيقية لا توجد إلا في هذا النهج، ومن لم يكن شيعياً في جوهره قد يفقد سماته الإنسانية. علينا أن نمارس “الورع” ونضع حداً (Stop) للغور في الدنيا لكي لا نقع في فخ جاهلية الأمة.
الرفق والتعايش في ظل ولاية الإمام
-
منهج الرفق في زمن الجاهلية:
إننا نعيش زمناً يشبه جاهلية مكة، والإمام يدعونا إلى “الرفق”؛ فالرفق يمن وراحة ويؤمن حياتكم. إذا عاملتم الناس بالرفق، ستجدون البركة في بيوتكم وعلاقاتكم. الشيعة بركة على جيرانهم، وهذا المسلك هو الذي يمهد لظهور الإمام ويحمينا من آثار جاهلية الأمة. -
الإمام ديان المجتمع وفعاليته:
تذكروا أن الإمام هو “ديان هذا الدين” وهو الملك الحقيقي والفعال كـ “الخضر الخفي”. هو أعلم بما تنكرون وما تعرفون، ودوره لا يغيب أبداً. الإمام هو الماء الزلال الذي ينعش الصحراء القاحلة، وعلينا أن ننصره بالكلمة الطيبة والمعرفة، وأن ننساب بحكمة وسط هذه الجاهلية الصلبة. -
الأمل في العدل والرجعة:
في النهاية، سيطهر الإمام الأرض من كل غاش، وسيقوم فينا بالقسطاس المستقيم. إن أولئك الذين رحلوا وهم يحملون همَّ الدين، كالمرحوم الشيخ نمر باقر النمر، ستكون لهم رجعة قريبة. لا تستعجلوا الأمور، فإن لها والياً وقائداً قادماً ليتمم نور الله ويقضي على جاهلية الأمة.
النتيجة
إن الخلاص من جاهلية الأمة لا يكون إلا بالعودة إلى حقيقة التسليم والورع عن محارم الله. علينا أن ندرك أن التكنولوجيا والرفاهية ما هي إلا وسائل قد تتحول إلى حجبٍ تمنعنا من رؤية إمام زماننا. إن الرفق بالناس، والتمسك بنهج أهل البيت، واليقين بفعالية الإمام المهدي (عج) في غيبته، هي الأدوات الحقيقية التي تجعلنا من الممهدين لسلطانه، والمستعدين ليومٍ يملأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”