الفتنة الصمّاء والولاية الإلهية وبيان مكانة الإمام المهدي خليفة الله في الأرض ووعد العدل المنتظر

شمس لاتغيب؛ الفتنة الصمّاء وولاية المهدي؛ الحلقة 60

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ الفتنة الصمّاء وولاية المهدي

الحلقة الستون:

الولاية الإلهية ووعد العدل المنتظر

أيها المؤمنون والمؤمنات، نقرأ ونعتقد بالوعد الإلهي الثابت، فكما قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله: «لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحد، لبعثَ اللهُ رجلاً من أهلِ بيتي يملؤها عدلًا كما مُلِئَت جَورًا». وهذا هو مرتكز الإيمان الذي لا يغيب، وهو الغاية التي نتطلع إليها جميعاً. إنّ هذا الوعد يحدد مسار الحق، ويضع الإمام المهدي عليه السلام في المرتكز الأعلى كخليفة الله في الأرض.

وفي ذات السياق، نجد الوصية النبوية لأمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: «يا عليّ، أنتَ منّي وأنا منك، وأنتَ أخي ووزيري، أنتَ من طينتي وأنا من قيمتك…». وقد أخبره النبيّ صلى الله عليه وآله بما سيحدث بعده من غِلّ في صدور القوم، ومن فتنةٍ عظمى وصفها بـ الفتنة الصمّاء؛ فتنةٌ إذا تكلّم المرءُ فيها خُلِع، وتحت ستار العمى لا يُنطَقُ بالحقّ ولا يُستطاعُ الكلام. هذه الفتنة الصمّاء هي التحدي الأكبر الذي نواجهه.

 

تجليات الفتنة الصمّاء وتلبيس الحق بالباطل

إنّ تجليّات هذه الفتنة الصمّاء قد بدأت مبكراً، لتُضلّ الناسَ أحياءً، فيُلبَس عليهم أمر دينهم.

  • الغصب تحت غطاء الدين:
    في قضية غصب حقوق بضعة المصطفى، فاطمة الزهراء عليها السلام، لم يكن الأمر لمجرّدِ حاجةٍ دنيويّةٍ أو طلبِ منفعةٍ شخصيّة، بل كان بحجّة إحياء السنّة والدين! وهذه داهيةٌ عظمى؛ فالناسُ لم تُميّز حينها أنّ صلاةَ من أقامه أبو بكر لم تكن صلاةً تامّة، بل كانت صلاةً فاسدةً، وعبادةً لا روحَ لها، كقدرٍ على النار يحترق ولا ينضج. إنّ من يَسلب حقَّ فاطمة عليها السلام لا يُمكن أن يرضى اللهُ عنه.

  • نقض الدين تحت ستار الدين (أبو بكر أنموذجاً):
    ما فعله أبو بكر كان نقضًا للدين تحت ستارِ الدين؛ صلاةٌ وصيامٌ وحجّ، ولكنّها عباداتٌ فاسدة. المسلمون لو كانوا يعقلون لقدّموا أنفسهم لخدمة فاطمة، لا أن تُسلَب حقوقُها تحت مسمّى الصدقة والبركة، وهي في حقيقتها سرقةٌ مكشوفةٌ. هذه فتنةٌ لا تنطق، ولا يُعرَفُ وجهُها، وتضلّ الناسَ أحياءً.

  • التسلّل بهدم الحقّ من الداخل (المأمون أنموذجاً):
    مثالٌ آخر لهذه الفتنة الملبَّسة هو تصرّفُ المأمون العبّاسي؛ الذي شادَ المساجد وأظهرَ الصلاح، بل وجعلَ الإمامَ الرضا عليه السلام وليًّا للعهد، ورفع لعنَ معاوية، وكلّه كان تحت غطاءٍ شيعيٍّ ظاهرًا. كلّ هذا كان طريقًا خفيًّا للتسلّل وهدم الحقّ من الداخل. وقد سُجّلت هذه الواقعة الأليمة بقتل الإمام الرضا عليه السلام في دار غربة، حتّى صارت زيارةُ قبره تائهةً لا يُصل إليها إلّا بعد عناء، والشيعةُ أنفسُهم كانوا يُصفّقون للمأمون! فما أشدّ هذا الظلم!

 

الولاية الحقيقية والمرتكزات الأساسية للأمة

إنّ حقيقة الولاية لا تقبل الشراكة، ومن يجهل هذه الحقيقة يكون لاعباً بحدود الله، ويخدم الفتنة الصمّاء.

  • المهديّ هو خليفةُ الله في الأرض:
    من يتصرّف اليوم كتصرّف أبي بكر أو المأمون، ويدعو لنفسه بمنزلةٍ ليست له، أو يجعل نفسه شريكًا للمهديّ عليه السلام، فهو في ضلال مبين. فالمهديّ هو خليفةُ الله في الأرض، ولا شريكَ له في ولايته. وكلّ من يدّعي لنفسه الولاية التامّة من دون الإمام صاحب الزمان، إنما هو كالدجال الذي يرفع لكم المساجد ويصنع لكم “إسلامًا” جديدًا وهو أداةٌ في يد الباطل. إنّ الفتنة الصمّاء تُغلِق أبواب العلماء، وتقود الناس إلى الضلال.

  • الفقهاء تلامذةُ الأئمّة وامتداد للمهديّ:
    إنّ العماد الحقيقيّ الذي تُبنى عليه الأمم هم الحكماء، والقضاة، والفقهاء، والمراجع. هؤلاء هم النظيرُ الروحيّ لنظام رسول الله صلى الله عليه وآله؛ حيث يرجع الناس إلى شيخهم، والشيخُ يرجع إلى رسول الله. الفقهاءُ اليوم هم تلامذةُ الأئمّة عليهم السلام، والناس ترجع إليهم في دينها. هذه المرتكزات هي الامتداد العذريّ للمهديّ؛ فهو المرتكز الأعلى، وما سِواه تبعٌ له. الإمام المهدي سلام الله عليه هو الأصل، وغيره من العلماء تلامذةٌ له، لا يسقطون ما دام الأصل قائماً.

 

النتيجة

إنّ فقدان الإمام الحجّة عجل الله فرجه هي فاجعةٌ حقيقية، وألمٌ مُقيمٌ في قلوب المسلمين. غيبتُه ليست غيبةَ شخصٍ واحد، بل غيبةُ الأمان، وغيبةُ الراعي، وغيبةُ القُدوة. الأرضُ تبكي، وأهل السماء يبكون، لأنَّه لو حَضَرَ لأزالَ ظُلماتِ هذا العصر. فالمؤمنون والمؤمنات اليوم يتلظّون أسفًا وشوقًا لفراقه، وكأنَّ أمرهم صار بأيدي الذئاب والسباع، لغياب الراعي الذي يحميهم. ولهذا، حقٌّ على أهل الإيمان إقامةُ الندبة والعزاء، وإحياءُ المجالس والبكاء على روح المهدي، فنحن في حيرةٍ واضطراب، والسُّبل مضطربة، ولا ندري إلى أين نلتجئ في نجاح أمورنا وسفينة نجاتنا غائبة!

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه