فوائد العقل؛ المهدي وأسلوب الحياة الممهدة
الحلقة السادسة:
المهدي عجل الله فرجه الشريف وأسلوب الحياة الممهدة لظهوره
أتوجه إليكم بالتحية وأبدأ هذا المجلس بذكر مولانا وسيدنا الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، نور النور في طخياء الديجور، والإمام المستور، الذي هو سفينة النجاة وبحر الحياة. إنه بقية الله في أرضه، وحجته على عباده، صلى الله عليك يا علي ابن الحسين الأكبر الشهيد. إننا نُعلي صوتنا في هذه المجالس بذكر المصاب الأكبر، مصاب من كان أشبه الناس خَلقًا وخُلقًا ومنطقًا بخير نبي، وكيف أن هذه التضحية العظيمة كانت فداءً لدين المصطفى، مع ما انطوت عليه من حب وبذل في سبيل الله تعالى. هذه المجالس تُمهد لموضوع رئيسي في حياتنا، وهو البذل والتوكل والمهدي وأسلوب الحياة الممهدة لظهور الإمام المنتظر (عج).
لقد تعلمنا من لقمان الحكيم، عبر مولانا باب الحوائج موسى بن جعفر (عليه السلام)، وصفاً بليغاً للدنيا؛ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه خلق كثير. وعليه، لابد لنا من تشكيل سفينة عدها وعدتها تبدأ من نية القلب إلى عمل الجوارح، وهي ما نسميها أسس الحياة الممهدة، التي نعدّ بها لمُضيّنا في دار الدنيا وللآخرة.
أسس سفينة النجاة: التقوى، والإيمان، والتوكل
نتوقف عند العناصر الأساسية الخمسة التي لا غنى عنها في سفينة النجاة: تقوى الله، الإيمان، التوكل، العقل، والعلم، والصبر. هذه الأمور الخمسة يجب أن تعدّ في نيتك وعملك.
1. التقوى والعمل المستمر:
التقوى هي سفينة هذه الحياة وأول عُدة لها. إنها وقاية من غضب الله، وهذا يجب أن يكون هدفك وغايتك في قيامك وقعودك وحلك وترحالك. التقوى هي نية القلب التي تسبق عمل الجوارح. لكن هذه النية تحتاج إلى عمل مستمر. لا يكفي أن تقول: “أنا حضرت مجلسًا واحدًا في السنة”، أو “أنا صمت فرضاً”. كلا، الإيمان يعني عملًا مستمرًا، فكلما زاد الإيمان وزاد العمل، كلما أصبحت سفينة أكبر وتبحر في الدنيا أكثر، لتصبح من التجار الكبار. لن تغرقك الدنيا إذا كان إيمانك قويًا وعملك مستمرًا، وهذا أساس من أسس المهدي وأسلوب الحياة الممهدة.
2. التوكل وموازين العقل والعلم:
التوكل هو شراع السفينة، وهو أمر ضروري إذا أردت أن تبحر في دار الدنيا من سفرات، أو بناء مسكن، أو تزويج، أو جمع مال. التوكل يعني الاعتماد على الله في الأسباب، ولكن علينا أن نميز التوكل عن التهور. العقل هو قَيّم السفينة الذي يقرر ما إذا كان السفر صحيحًا أو تهورًا قبيحًا. هل لديك إمكانية صلة بالله كما حال المهدي المنتظر الذي يطوي الفيافي والصحاري بنطق الثغر بـ”اسم الله الأعظم”؟ إذا لم تكن حبيب الله، فإن باب طيّك للصحاري والفيافي هو ركوب الطائرة وأخذ الفيزا.
نحن بحاجة إلى دليل العلم لنتوكل. ففي موضع شراء البيت، الله ضَمِنَ الجزاء، وهذا موضع توكل. ولكن في موضع آخر، حذّر الله فقال: “فَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا”. هذا ليس موضع توكل. حتى في الذبح لله كصدقة، علمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نأخذ قسمًا من الذبيحة لبيت الزوجة لأن الزوجة لا تصبر. ما نقص مال من صدقة قط، ولكن علينا أن نعرف مواضع التوكل بالعلم والعقل.
3. العقل والعلم في مسؤولية تربية الأبناء:
من أشد مواضع التهور هو أن تسلّم ابنتك أو ابنك إلى مدرسة أو صحبة غير صالحة، بحجة التوكل على الله. تقول: “أنا متوكل على الله، إن شاء الله تطلع سالمة”. كلا، هذا ليس موضع توكل. طبيعتك سَرِقة، فانظر ممن تسرقها. الصاحب يؤثر عليك؛ فمن يعاشر واحدًا تبوق طبائعه من حيث لا يدري ولا يشعر. لا يمكن أن أُؤمن على بنتي في مدرسة فيها فتاة متهاونة بالصلاة والحجاب. هذا تهور، وليس توكلًا، لأننا لم نراعِ الدليل وهو العلم بتأثير الصاحب. ويجب أن ندرك أن هذه التربية جزء أصيل من المهدي وأسلوب الحياة الممهدة.
منزلة الحب والعيش في المحبة المهدوية
ننتقل إلى منزلة هي غاية العبّاد، وهي منزلة الحب. الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: “ما أنا فأعبد الله حبًا به”. هو لا يعبد خوفًا من نار أو شوقًا لجنة، بل حبًا به. كل شيء يفعله الإمام هو من حبه لله، فيصل رحمه ويشيع الجنائز لأن الله يحب ذلك.
1. العيش الممهد لدولة المهدي (عج):
هذه المحبة لله يجب أن تنعكس في العيش المُمهِّد لدولة الإمام المهدي. الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هو قيمنا، وإمامنا، وسيدنا، وناظرنا، ورقيبنا. فجماعة يعيشون مُمهِدين لدولته في كل أمرهم:
-
الطالب يمتنع عن الغش في الدراسة لأن سيده وناظره هو الإمام المهدي.
-
المرأة تتقن صنعتها، أو تصبر على أذى زوجها وفقره، طمعًا في كلمة “أحسنت بارك الله فيك” من الإمام.
هذه هي طريقة حياة السعداء الذين يعيشون في محبة الله ومحبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف. إنهم يعيشون حياة سعيدة سعداء.
2. قلب المرأة المحبة وشوقها للمهدي:
حقيقة الأمر أننا لا نعلم كم تحمل قلوب النساء من حب لله ورسوله وحب الإمام المهدي. إن قلب المرأة المحبة لولي الله المهدي عجل الله فرجه الشريف هو كـالشمس المضيئة. إذا كُشف الغطاء وخرجت روحها من جسدها، لتبدو كشمس ساطعة من شدة شوقها وحبها للإمام المهدي. علينا أن نعرف قدر هؤلاء النسوة اللاتي يعشن حتى يرضى الإمام المهدي ويعتمد عليهن، فهن جزء أصيل من منظومة المهدي وأسلوب الحياة الممهدة.
3. الامتحان في منزلة الحب:
من ينزل نفسه منزلة الحب، يتعرض لامتحانات صعبة جدًا. نبي الله زكريا (عليه السلام) طلب من الله أن يرزقه ولدًا ثم يأخذه ليفتنه بحبه، كي يجد ما وجده رسول الله (صلى الله عليه وآله) في فقد الحسين (عليه السلام). هذا دليل على الروحية التي تجعل الإنسان يشكر الله حتى عند المصيبة. فالإمام الصادق (عليه السلام) عند موت ابنه الصغير قال: “الحمد لله الذي يقتل أولادنا، فلن نزداد له إلا حبًا”. هذا هو الحب الذي يجعلك لا تغير طريقة أكلك وطعامك حتى عند وقوع المصيبة، لأنك تعيش حبًا في الله.
التقليد لسيرة علي بن أبي طالب (عليه السلام): التمهيد الحقيقي
إن التمهيد الحقيقي لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ليس مجرد عمل، بل هو العيش والتقليد لسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأن الإمام المهدي سيأتي نسخة متكررة لعلي بن أبي طالب في كل شيء.
1. الولاية: الارتباط بسيرة علي (عليه السلام):
الدنيا مزرعة الآخرة، ولكن يجب أن نزرع فيها الولاية، أي الارتباط بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) جزءًا جزءًا. كل شيء من الدنيا هالك إلا ما كان لوجه علي بن أبي طالب.
-
أكل خبز الشعير لأنه كان طعام علي (عليه السلام).
-
إكرام الضيف بالسفرة الملونة لأن أمير المؤمنين كان يكرم الضيف.
-
ادخار المال للعيال لأن عليًا (عليه السلام) ادخر سبعمئة درهم في آخر حياته ليشتري خادمًا لعياله.
2. حب علي (عليه السلام) يذيب الذنوب:
يجب أن يكون اسم علي هو القضية الأولى في حياتنا، كما كان سرًا لملك النبي سليمان (عليه السلام) المنقوش على خاتمه. إن حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو كـالشمس الطالعة على الثلج؛ فهو يذيب الذنوب ذوبًا. كما يزول الثلج بعد شروق الشمس، هكذا يزيل حب علي ذنوبنا. هذا هو ربح يوم الغدير، الذي هو حطام لذنوبنا وبياض لوجوهنا. وهذا الحب هو الذي يفتح باب المهدي وأسلوب الحياة الممهدة.
3. إحياء سنن علي (عليه السلام):
إحياء سنن علي (عليه السلام) هو جوهر المهدي وأسلوب الحياة الممهدة لظهوره.
-
إطالة السجود والدعاء فيه للإمام المهدي بعد كل صلاة، لأن فضيلة الدعاء خلف الفرائض كفضيلة الفريضة على النافلة.
-
زيارة الرسول (صلى الله عليه وآله) في الأسحار، لأن عليًا (عليه السلام) كان يزوره في تلك الأوقات.
بهذه الأفعال، نكون نسخة ناقصة من علي (عليه السلام)، ونُحيي سننه، وهذا هو التمهيد الحقيقي لظهور المهدي المنتظر (عج).
النتيجة
أقول لكم إن التوكل يحتاج إلى علم وعقل لكي لا يكون تهورًا، ويحتاج إلى الحب الصادق لله الذي يجعلنا نفدي الأعز عندنا لله، كما فعل الحسين في علي الأكبر. إن العيش المُمهِّد هو العيش على طريقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كل صغيرة وكبيرة، فنحن اليوم بحاجة إلى التقليد لسيرة أهل البيت لكي تكون أعمالنا مربوطة بالولاية وتصعد إلى حضيرة القدس، وهذا هو جوهر المهدي وأسلوب الحياة الممهدة.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”