شمس لاتغيب؛ إنكار فضائل الإمام المهدي
الحلقة الثانية والثلاثون:
حقيقة الإنكار وميزان الإيمان في الغيبة
يا مؤمنون، يا إخوة، أبدأ حديثي معكم بكلمة عظيمة يجب أن ترنّ في آذاننا، وهي قولنا: “من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني“. هذه الكلمة هي ميزان الإيمان، وهي التي تضع الأصبع على الجرح في زمن الغيبة. لقد رأيتُ بأمّ عينيّ بعض المؤمنين يقعون في فخ خطير، وهو ليس إنكار وجود الإمام، بل هو إنكار فضائل الإمام المهدي، أو إنكار سمتٍ من سمات إمامته، أو صفة من صفاته. هذا الإنكار هو في حقيقته إنكار لفضل من فضائل السفير الأعظم، أي إنكار لفضل رسول الله (ص). أضرب لكم مثلاً: لا ينكر أحدٌ أن النبي الأعظم (ص) ردّ الشمس، وكذلك للإمام زين العابدين، لكن بالنسبة للإمام المهدي، نجد صعوبة في التقبل، فإذا أنكرت في المهدي صفة ردّ الشمس، فأنت تنكر فضيلة في شخصه الشريف، وهذا هو عين إنكار فضائل الإمام المهدي.
لقد تكلمنا بالأمس عن فضائل أخرى، مثل تفضيل الله لأكلكم وشربكم ببركة النبي (ص). أنت تأكل وتشرب لأن النبي يريدك أن تأكل وتشرب، فالله يقول: “أغناهم الله من فضله ورسوله“. من أشبعك من الجوع وسدّ عليك الشقاء والآفات؟ إنهما الله ورسوله. المسلمون يصدقون أن رسول الله صاحب الفضل في عافيتهم، لكن بالنسبة للإمام المهدي (عج)، يغيب هذا الاعتراف. رسول الله يقول: إذا لم تعترف بفضائل المهدي، فأنت منكر لفضلي. المشكلة التي نعيشها اليوم هي أن الناس يرون خبزتهم تأتي من الحكام، وهذا شرخ في العقيدة يؤدي إلى إنكار فضائل الإمام المهدي عملياً.
الأبدال والإنكار العملي للولاية
-
وزير الاقتصاد كبديل عن الإمام:
المشكلة العويصة اليوم أن الناس يرون وزير الاقتصاد يقرّر زيادة الرواتب، فيعلقون كل آمالهم ورزقهم على توقيع هذا الوزير، وينسون أن الرزق الحقيقي يمر عبر توقيع صاحب الزمان. هذا التعلق بالأسباب المادية ونسيان المسبب الحقيقي هو شكل صارخ من أشكال إنكار فضائل الإمام المهدي في تدبير شؤون الرعية، وكأن الوزير عندهم أفضل وأقرب نفعاً من الإمام الغائب الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
-
مفهوم الأبدال السلبي في المجتمع:
لقد ابتُلينا بـ “الأبدال”، وهم الحكام والمسؤولون الذين صاروا في نظر الناس مصدر العز والرزق والشفاء والأمان، فحلّوا محل الإمام في القلوب. هؤلاء صاروا البديل عن الوجود المقدس الذي سعت قوى الظلام لتغييبه، فالناس يرون الفضل في “الحاتم” والحكومة، بينما الله يريد أن يرينا أن الفضل والفضيلة ليست بالحكم والحاكم الظاهري، بل بالخليفة الإلهي، والاعتماد على هؤلاء الأبدال هو ترسيخ لواقع إنكار فضائل الإمام المهدي.
-
السلطان الحقيقي للإمام المغيب:
انظروا وتأملوا، ألف سنة ومال الإمام المهدي يدير الشيعة ويحفظهم دون أن يمتلك أي منصب حكومي أو ولاء لحركة سياسية أو حتى وظيفة مدير بسيط. هو ينال منصبه من السماوات، بينما هؤلاء الذين يديرون البلاد هم ناقصو النفوس والنفوذ. إن سلطان الله المفروض في الإمام أنفذ من كل النفوس، وهو سلطان على عالم الغيب والشهود، والجهل بهذه الهيمنة الغيبية هو أصل داء إنكار فضائل الإمام المهدي.
-
حقيقة النفوذ الغيبي في الأرزاق:
الإنسان المؤمن يرى أن الأمور كلها بيد الإمام السلطان، فالله سيسأل عنه وتكشف الحجب لنرى أن ما يريده الإمام يصير وما لا يريده لا يصير. الذين يؤمنون بالغيب يدركون أن كل شيء من رزق وعزل وتنصيب وإحياء وإماتة يتم بيده بإذن الله؛ فمن يريده الإمام حياً يبقى ولو في أشرس المعارك، ومن يريد له الموت يموت ببعوضة ولو دافع عنه العالم كله، وعدم اليقين بهذا النفوذ هو إنكار فضائل الإمام المهدي.
موازين العزة والظهور المقدس
-
الموتة الجاهلية وحقيقة الإمامة:
قال رسول الله (ص): “من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته مات ميتة جاهلية”. إنكار الإمام ليس إنكار وجوده الجسدي فقط، بل هو إنكار فضائل الإمام المهدي وإمامته النورانية ونفوذ ملكه، تماماً كما أن الإيمان بعلي (ع) هو إيمان بنورانيته وأن الأمور بيده. علي حكم ألف سنة لأنه إمام القلوب، ومن لا يؤمن بأن المهدي هو إمام القلوب المتضلع في العوالم، فقد مات ميتة جاهلية ونفاق وكفر.
-
الخليفة الذي لا بديل عنه:
الإمام المهدي هو خليفة الله، وأمور العباد كلها بيده، فهو المرجع الذي نعود إليه في فقرنا ومرضنا وخوفنا. هذا الخليفة يجب أن يُستثمر ولا يُغاب عنه، ويجب أن نلجأ إليه في كل مشاكلنا ومعاصينا قائلين “يا مهدي” بقلب صادق. أما الاعتماد على الحكومات والسلاطين فهو خسران مبين، لأنهم لا يضرون ولا ينفعون، والاعتقاد بنفعهم المستقل هو وجه آخر من وجوه إنكار فضائل الإمام المهدي.
-
تبديل الموازين عند الظهور:
عندما يخرج المهدي في آخر الزمان، زمن القحط والوباء، سيقوم بتبديل الموازين الرأسمالية التي نعيشها. الغنى لن يكون في تكديس الذهب والفضة كما يظن “القارونيون“، بل في الصلاة على محمد وآل محمد وفي القناعة، والنصر لن يكون بالكثرة العددية “تكاثر الجاهلية”، بل في القلة المؤمنة كالإمام الحسين (ع). هذا التبديل سيكشف زيف ما كنا عليه من إنكار فضائل الإمام المهدي وتعلقنا بحطام الدنيا.
-
الغنى الحقيقي وسقوط الغرب:
العالم اليوم يلهث وراء سراب الغرب، ولكن الحقيقة أن هؤلاء “حثالة” ولا يملكون قيماً حقيقية، فمجتمعاتهم قائمة على المصالح لا على الصدق. في دولة الإمام، ستسقط قيمة الدولار والبنايات الشاهقة، وسيكون المعيار هو القلب النظيف والصدق والوفاء. الإمام سيأتي ليحررنا من عبودية الذات والمادة، ويفتح لنا آفاق السماوات، وهذا هو الغنى الذي يُبشر به، بعيداً عن أوهام الذهب.
النتيجة
وفي الختام، نصل إلى أن الله يريد منا الصدق والقلب النظيف الذي ينفذ قراره في الكون، فالدولة تعز بوفائها وصدقها لا بعملتها. علينا أن نكفر بـ “العراق الحاضر” بمشاكله ونؤمن بـ “العراق المستقبل” بقيادة صاحب الزمان، وأن نبتعد عن كل مظاهر إنكار فضائل الإمام المهدي، لنكون من الثابتين على ولايته. اللهم نبهنا من نوم الغافلين وثبتنا على ولاية أمير المؤمنين (ع).
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”