سیاحة التسبیح؛ التهليل الخالص بـِ لا إله إلا الله
الحلقة الستون:
حقيقة التهليل الخالص والانقطاع إلى الله وحده
في هذه الجلسة أواصل الحديث عن أعظم كلمة نطق بها الموحدون، وهي «لا إله إلا الله»، ولكنني لا أريدها كلمةً تجري على اللسان فحسب، وإنما أريدها حقيقةً تستقر في القلب، وتتحول إلى يقينٍ يغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة كلها. إن الله سبحانه يحب أن نُهَلِّله كما يحب هو أن يُهَلَّل، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، فلا يبقى في القلب اعتمادٌ إلا عليه، ولا رجاءٌ إلا فيه، ولا التفاتٌ إلى غيره استقلالاً.
إن كثيراً من الناس يقولون: لا إله إلا الله، ولكن قلوبهم ما زالت معلقةً بالأسباب، فإذا نزلت بهم شدةٌ لجؤوا إلى الناس قبل أن يلجؤوا إلى رب الناس. أما المؤمن الصادق فإنه يأخذ بالأسباب امتثالاً لأمر الله، لكنه يعلم يقيناً أن قاضي الحوائج، وكاشف الكرب، وجابر الكسر، وناصر المظلوم هو الله وحده، وأن كل سبب إنما يتحرك بأمره سبحانه.
لا إله إلا الله كما يحب الله أن يُهَلَّل
- الانقطاع عن الخلق والاعتماد على الخالق:
إنني أدعو المؤمن إلى أن يعيش معنى البراءة من كل اعتمادٍ سوى الله، لا البراءة من الناس في التعامل، وإنما البراءة من الاعتقاد بأن أحداً يملك الضر أو النفع استقلالاً. فالله أمرنا بمراجعة الطبيب، وبالتعامل مع الناس، وبالسعي في الرزق، لكن الذي يشفي هو الله، والذي يرزق هو الله، والذي يفتح أبواب الفرج هو الله تعالى. وقد يمر الإنسان بتجارب كثيرة، يرى فيها أن الأب لا يستطيع أن يدفع عنه البلاء، وأن الطبيب يقف عاجزاً، وأن أصحاب السلطة لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً إلا ما شاء الله. عندئذٍ يبدأ القلب يفهم حقيقة لا إله إلا الله، لا من خلال القراءة فقط، بل من خلال التجربة التي تربيه على التوحيد الخالص. - الدعاء ثمرة المعرفة بالله:
وحين يصل المؤمن إلى هذه المعرفة، يقرأ الأدعية بروح مختلفة. فإذا وقف بين يدي الله يقرأ دعاء المشلول، أو صلى صلاة الاستغاثة بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، فإنه يعلم أن الوسيلة توصله إلى الله، وأن الإجابة من الله وحده، فينقطع قلبه إليه سبحانه، ويشعر أنه لا يوجد في الأرض كلها من يملك كشف الضر إلا الله عز وجل. وهنا يفيض الله على عبده بنور المعرفة، فيعرفه بأنه المنجي، والمنقذ، والمسعد، وأن كل خيرٍ يبدأ منه وينتهي إليه، فتتحول كلمة لا إله إلا الله إلى حياةٍ يعيشها المؤمن في كل مواقفه. - الشرك الخفي في التعلق بالأسباب:
ومن أخطر ما يبتلى به الإنسان الشرك الخفي، وهو أن يبقى القلب متعلقاً بالأسباب أكثر من تعلقه برب الأسباب. وقد ضرب القرآن الكريم مثالاً بيوسف عليه السلام عندما قال لصاحبه: ﴿اذكرني عند ربك﴾، فكانت هذه الحادثة درساً عظيماً في أن القلب ينبغي أن يبقى متوجهاً إلى الله وحده، حتى وإن استعمل الإنسان الأسباب المشروعة. فالمؤمن لا يرفض الأسباب، لكنه يرفض أن تتحول إلى معبودٍ خفي داخل القلب، لأن الذي يملك الأمر كله هو الله سبحانه، وما الأسباب إلا وسائل جعلها تحت سلطانه.
كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله
- الله وحده هو المتفرد بقضاء الحوائج:
إن معنى كما ينبغي لكرم وجهه أن أعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله وحده هو الذي يقضي الحوائج، وأن الأسباب لا تعمل إلا بإذنه. كم من مريضٍ شفاه الله من غير دواء، وكم من مهمومٍ كشف الله كربه من حيث لا يحتسب، وكم من غريقٍ أنجاه الله عندما انقطعت جميع الأسباب. لقد نجّى الله موسى وقومه من البحر بلا سفينة، وشفى كثيراً من عباده ببركاتٍ جعلها في تربة الإمام الحسين عليه السلام، وربط قلوب عباده بأهل بيته ليكونوا أبواباً لطاعته، لا شركاء معه في ربوبيته. إن المؤمن إذا أدرك هذه الحقيقة، لم يعد يرى للأسباب استقلالاً، وإنما يرى يد الله فوق كل شيء، فيزداد يقينه، ويزداد توكله، ويزداد ثباته في طريق الإيمان.
وجه الله وكرامة الإمام المهدي عليه السلام
- التوحيد الصحيح تكريمٌ لوجه الله:
إنني عندما أقول: «لا إله إلا الله كما ينبغي لكرم وجهه» لا أقصد مجرد ترديد الكلمات، بل أقصد أن يكون هذا التهليل تكريماً لوجه الله تعالى. وقد بيّن أهل البيت عليهم السلام أن وجه الله هو الطريق الذي يُتوجَّه به إلى الله، وهو مظهر هدايته في أرضه، ولذلك كان الإمام المهدي عليه السلام من أعظم مظاهر هذا الوجه المبارك. فعندما يحقق المؤمن حقيقة التوحيد الخالص، فإنه لا يكرم نفسه فقط، بل يرفع راية الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، وسار عليه الأئمة الأطهار عليهم السلام.
وكل موحدٍ صادقٍ يزيد في عز الإسلام، ويكون سبباً في رفعة مقام أولياء الله عند الخلق، لأنهم هم الذين ربّوا الناس على معرفة الله وتوحيده. ولهذا فإنني أدعوكم إلى أن تجعلوا لا إله إلا الله شعاراً عملياً، حتى تكونوا من الذين يكرمون دين الله، ويثبتون على ولاية الإمام المهدي عليه السلام، ويكونون من أنصاره الصادقين في زمن الغيبة والظهور.
عز جلال الله في كلمة لا إله إلا الله
- كل ما جاء من الله فهو الحق والعزة:
إن معنى «وعز جلاله» أن أوقن بأن كل ما صدر عن الله سبحانه فهو الحق، وأن أوامره وتشريعاته وسنن أنبيائه هي طريق العزة الحقيقية. قد يُعجب بعض الناس بما وصلت إليه الحضارات المادية من تقدم، فيظنون أن العزة كلها هناك، وأن السعادة تُنال بعيداً عن منهج الله. لكنني أقول: إن العزة ليست في المال، ولا في القوة، ولا في كثرة الأبنية، وإنما العزة في طاعة الله، وفي اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي التمسك بولاية أهل البيت عليهم السلام. إن المؤمن لا يجعل ميزانه ما يمدحه الناس، بل يجعل ميزانه ما يرضي الله. فإذا وافق منهجُ البشر كتابَ الله أخذ به، وإذا خالفه تركه، لأن العزة كل العزة فيما أصاب الله من كلماته وتشريعاته. - لا إله إلا الله ليست لقلقة لسان:
ومن أخطر ما يصيب الإنسان أن تتحول لا إله إلا الله إلى مجرد ألفاظ يرددها، بينما قلبه متعلق بالدنيا، أو بالأموال، أو بالمناصب، أو بالناس. إن لا إله إلا الله التي يريدها الله هي التي تجعل الإنسان يرى أن مرجعه في الرزق، وفي النجاة، وفي السعادة، وفي الهداية هو الله وحده. فإذا بقي القلب متعلقاً بغير الله، فإن التهليل لم يبلغ غايته، وما زالت آثار الشرك الخفي تسكن النفس. أما إذا صار الله هو المرجع الأول والأخير، فقد تحقق معنى التوحيد الذي يحبه الله لعباده.
الحياة السعيدة تبدأ بالتوحيد
- المرجع الحقيقي هو الله:
لقد أوهمت الدنيا كثيراً من الناس أن السعادة تُشترى بالأموال، أو بالمناصب، أو بالقوة، ولكن التجارب تثبت أن كل ذلك قد يزول في لحظة واحدة. أما من جعل الله مرجعه، فإنه يعيش الطمأنينة حتى في الشدائد، لأن قلبه يعلم أن الذي يدبر الأمر كله هو الله تعالى. ولهذا فإنني أقول لكم: قولوا لا إله إلا الله بقلوبكم قبل ألسنتكم، واسألوا الله أن يعرّفكم حقيقتها، وأن يرزقكم حلاوة التوحيد، حتى تروا الدنيا بعين الإيمان، لا بعين الغفلة. فإذا عرف العبد ربه، لم يعد يخاف من فقدان الأسباب، لأن ثقته أصبحت بخالق الأسباب، وإذا امتلأ قلبه بهذا اليقين عاش سعيداً، مطمئناً، ثابتاً على الحق مهما تبدلت الأحوال.
النتيجة
إن حقيقة التوحيد الخالص لا تتحقق بمجرد النطق بـ لا إله إلا الله، وإنما تتحقق عندما ينقطع القلب عن الاعتماد على غير الله، ويوقن بأن الله وحده هو قاضي الحوائج، وكاشف الكروب، والمنجي من الشدائد. وكلما ازداد المؤمن معرفةً بهذه الحقيقة، ازداد قرباً من الله تعالى، وثباتاً على ولاية أهل البيت عليهم السلام، وتعظيماً للإمام المهدي عليه السلام بوصفه وجه الله الذي يهدي إلى سبيله. فنسأل الله سبحانه أن يوقظنا من غفلتنا، وأن يثبتنا على ولاية أمير المؤمنين، وأن يرزقنا التهليل الذي يحبه ويرضاه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، إنه سميع مجيب.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”