بصيرة الموحدين في قلب المحن؛ حين تصبح حرارة كربلاء برداً وسلاماً، لأن الثقة بأن الخير بيد الله تُبدل عسر العباد يُسراً وتجعل من الصبر باباً للنعيم المقيم.

سیاحة التسبیح؛ الخير بيد الله؛ الحلقة 29

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ الخير بيد الله

الحلقة التاسعة والعشرون:

حقيقة التوحيد في قولنا “الخير بيد الله”

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. قلنا في محكم القول وعظيم الذكر: «لا إله إلا الله، يُحيي وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير». إن هذا الإقرار ليس مجرد كلمات تُردد في الأذكار، بل هو حقيقة كبرى؛ فماذا نطلب لأنفسهم من خير؟ إن الخير كله محصور في يد الله وحده. الله عز وجل هو القائل: «أنا بيدي الخير»، وهذا اليقين يغير بوصلة الإنسان في الحياة؛ فمعنى أن الخير بيد الله هو أنه سبحانه لا يسوق هذا الخير لأعدائه، فأعداء الله يعيشون في شرٍّ من عند أنفسهم وإن تراءى لنا في الظاهر غير ذلك.

لقد جعل الله الظلمات والنور في هذا الكون الفسيح، وإن نظرتم إلى هذا الوجود من منظار العلم، ستجدون أن ستة بالمئة منه نور، وأربعة وتسعون بالمئة ظلمة. انظروا إلى النجوم بالليل، سترون أن سواد الليل هو الغالب. وهذا ليس مجرد مشهد كوني، بل هو نموذج لما يجري في عالم المعنويات؛ فالمعنويات فيها ظلمات كثيرة: هناك ظلمة الخيانة، وظلمة الكذب، وظلمة الدجل، وظلمة الفساد، وصولاً إلى الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة. لذا، فإن الموحد الحقيقي هو من يدرك أن الخير بيد الله وحده، وسط كل هذه الظلمات.

“لمشاهدة الحلقة 29 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”

 

موازين الربح والخسارة في الصناديق الإلهية

  • حقيقة الحسرة في صناديق الساعات:
    أيها الأحبة، إن حياتنا مقسمة إلى ساعات، ولو تخيلنا أن لكل ساعة من ساعات اليوم أربعاً وعشرين صندوقاً، فماذا نجد عند الفتح؟ يُقال إنه إذا فُتح صندوق في ساعة من الساعات ووجد فيه الإنسان شراً وظلماً، دخلت في قلبه حسرة عظيمة؛ تلك الحسرة لو قُسِّمت على أهل الجنة جميعاً لأفسدت عليهم نعيمهم من عظم ألمها! لأن الإنسان يدرك في تلك اللحظة أنه كان يقدر أن يجلب الخير والنور ولكنه فرط، فاليقين بأن الخير بيد الله كان كفيلاً بملء ذلك الصندوق نوراً.
  • اشتعال الفرح بالعمل الصالح:
    بالطرف المقابل، فإن الساعة التي يكسبها العبد بعمل صالح، تفتح صندوقاً يفيض بنور الفرح العظيم. هذا الفرح الإلهي بلغ من القوة أنه لو قُسِّمت ذرّة منه على أهل النار، لاشتعل في قلوبهم فرحٌ ينسيهم عذاب الحريق لشدة برد اليقين وسكينة الروح. إن هذا التفاوت العظيم يوضح لنا أهمية كلمة «بيده الخير»، فهي مفتاح الفهم للموحدين الذين لا تغرهم المظاهر الزائلة.

 

وهم الرفاه الغربي مقابل رسالة التوحيد الحقيقية

  • حقيقة النعيم في بلاد الغرب:
    قد يتساءل البعض منا: نرى بلاد الغرب، ممن لا يعتقدون بالله ولا بولاية أمير المؤمنين أو الإمام المهدي، يعيشون في بلاد خضراء، ورخاء، وهدوء، وأموال طائلة، فهل هناك مشكلة في توحيدنا؟ أقول لكم بضرس قاطع: المشكلة ليست في التوحيد، بل في رؤيتنا وفهمنا لرسالة التوحيد. نحن نعيش في تعب ونصب؛ صيام في الحر، مشي إلى الحسين، وتعب الحج، وصلاة الصبح التي تحرمنا لذة النوم. بينما هناك، في “النرويج” أو سويسرا، هواء طلق وحياة هادئة. لكننا هنا لا نصنع سعادة خيالية، بل نبلغ رسالة السماء: إن الخير بيد الله، فلا تدوروا الخير في مكان آخر، فما كان بعيداً عن الله فهو شر كله.
  • ميزان “ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار”:
    يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عبارة من ذهب: «ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار». فلا تظنوا أن العيش مع الكفار والضحك في وجوههم ومشاركتهم أعيادهم ولهوهم هو “خير”؛ بل هو باطن الشر. إن المؤمن يدرك أن الخير بيد الله وإن كان الطريق إليه شاقاً، لأن العبرة بالنهايات والمقامات عند الله، لا بالرخاء المادي الذي ينتهي بحسرة أبدية.

 

عظمة كربلاء وتجلي النور في عالم الحجاب

  • حسرة الملائكة على مكانة زوار الحسين:
    قد يصيبكم الخوف أو الذعر في بلاد الإسلام نتيجة الحروب، وهذا ضريبة الثبات. قد يقول قائل: “أستطيع العيش في هولندا أو سويسرا، لماذا أبقى هنا خائفاً على أولادي؟”. هنا يأتي علي بن أبي طالب ليقول لك: «ما شرٌّ بشرٍّ بعده الجنّة». أنت في كربلاء تتنفس هواء المدينة الحسينية، وهذه الساعة تتحسر الملائكة في العرش أن تكون في مكانك. الملائكة الذين يعيشون في قدس ونورانية يتحسرون ويقولون: “يا ليتنا كنا في كربلاء ننظر إلى قبر الحسين”. لأنهم يعلمون أن الخير بيد الله يتجلى هناك بأعظم صوره.
  • حقيقة السلسبيل الحسيني:
    في كربلاء، حيث الحرارة وانقطاع الماء والكهرباء، هناك حقيقة لا يراها المحجوبون. يُروى أن ملكاً مقرباً استأذن الإمام الحسين ليُسمح له بالشرب من الماء الذي جُعل سبيلاً في كربلاء، فتعجبوا: أليس لكم الجنان تطوفون فيها؟ لكن ذلك الملك كان يتحسر على شربة من ذلك الماء. فأين الخير الحقيقي؟ أفي مياه “أوسلو” وجبال الألب، أم في ذلك السلسبيل الذي يتحسر عليه ملكيُّ الأصل وأنت تُعطى إياه؟ إننا في عالم الحجاب لا ندرك أي مقامات نتمتع بها حين ندرك أن الخير بيد الله.

 

قدرة الله في تحويل الأعيان وتبديل الشدائد

  • الشمس كآية لتحويل “الشر” إلى حياة:
    إن الله تعالى «على كل شيء قدير»، وهو يبدل الأشياء بطريقة عجيبة. انظروا إلى الشمس؛ هي نار محرقة تفتت الصخر، ولكن الله بقدرته جعل هذه النار مصدراً للحياة والجمال لكل الكائنات. هكذا هو الله؛ الشدائد التي تسمونها “شراً”، يصنع الله منها “جنة”. حرارة كربلاء وتعب العبادة هو المادة التي يصنع الله بها نعيمكم المقيم، لأنه سبحانه بيده الخير وهو يقلب الأعيان كيفما يشاء.
  • عِوض الحسين (عليه السلام):
    لقد عوض الله الحسين (عليه السلام) عن كل ألم، وعطش، وحزن، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ما رأيتُ إلا أحسن شيء صنع الله؛ رزق الحسين الشهادة وجعل القلوب تهوي إليه. لذا، اعتمدوا على هذا الإله، واتبعوا خطواته بقوة؛ فكل ما سميتموه شراً يبدله الله خيراً، لأن الخير بيد الله وهو على كل شيء قدير.

 

النتيجة

إننا اليوم نعيش امتحاناً في “عالم الحجاب”، وعلينا أن نختار بين رأي عقولنا القاصرة ورأي علي بن أبي طالب (عليه السلام). عليٌّ يقول لنا: العيش في كربلاء والنجف خير لكم من العيش في ظل العرش، لأن النهاية هي الجنة. فقرروا لأنفسكم أن تختاروا طريق من الخير بيد الله، واعلموا أن الابتلاءات هي بوابات للنور، وأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً وتمسك بحب الحسين وآل الحسين.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه