شمس لاتغيب؛ ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة
الحلقة الثالثة والسبعون:
القيمة الوجودية لنهج أهل البيت في عصر الانتظار
الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. أما بعد، فإنّ المتأمل في أحاديث عترتنا الطاهرة يجد أن محور النجاة ومناط الفوز يدور حول موضع قدم أهل البيت عليهم السلام، فهم القادة وهم الأدلاء على مرضاة الله. فقد قال جدي أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «فانظروا أهل بيت نبيكم، فإن لبّدوا فلبّدوا، وإن استنصروكم فانصبوا». إن هذه الكلمات تمثل الميزان الذي نزن به حركتنا وسكوننا، فلا نتقدم عليهم فنمرق، ولا نتأخر عنهم فنزهق، بل نكون معهم أينما مال الحق مالت ركائبهم.
إن قضية سكون أهل البيت عليهم السلام أو حركتهم ليست مجرد قرار سياسي عابر أو تكتيك اجتماعي، بل هي المعيار الإلهي في الأجر والدين وجزاء الله سبحانه وتعالى. فإذا سكتوا، وجب علينا السكوت والتدبر العميق في حكمتهم، وإذا طلبوا النصرة، وجب الاستنفار والقيام بكل ما نملك من قوة ويقين. إننا نؤمن يقيناً لا يخالطه شك بأن فرج الله الأعظم سيتحقق عند ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة، ذلك الذي أفديه بروحي وبأبي، «بأبي ابن خيرة الإمام»، الذي جعل الله عز وجل أمن العباد وفرج الشيعة منوطاً بنهضته المقدسة التي ستشرق على الأرض فتغسل أوضار الظلم والطغيان.
حتمية السيف وتصفية الطواغيت في النهضة المهدوية
- لغة السيف وحتمية الحسم العسكري:
عندما نقرأ في الروايات عن ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة، نجد أننا نتحدث عن مرحلة إلهية فاصلة لا تقبل أنصاف الحلول ولا المهادنة مع أعداء الإنسانية. الإمام المهدي عجل الله فرجه لا يعطي أعداء الله في تلك الساعة إلا السيف، ويكون شأنه «هرجاً هرجاً»، وهو قتال شامل يطهر الأرض من دنس المفسدين. إن الذين يظنون أن الصلح ممكن في ذلك الزمان، أو يسعون للحفاظ على عروشهم وأموالهم بعيداً عن صراط الحق، واهمون، لأن الإمام سيقلب الكرة الأرضية رأساً على عقب ليرسي قواعد العدل الإلهي. - تطهير الأرض من دنس بني أمية وأتباعهم:
سيرفع الإمام السيف على عاتقه ثمانية أشهر متواصلة، في قتال مرير لا هوادة فيه، يطهر بقاع الأرض من جذور النفاق والظلم. إن شدة بأسه ستجعل الظالمين من قريش وأتباعهم يقولون من هول ما يرون: “لو كان هذا من أولاد فاطمة لرحمنا!”. ولكن الإمام يعلم يقيناً أن الرحمة بمن لا يرحم هي ظلم للمستضعفين، لذا فإنه عند ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة سيجعلهم حطاماً كغارة الله في بني أمية، ولن يبقي لهم متنفساً، تحقيقاً لقوله تعالى: «أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً»، فهذه هي السنة الإلهية الحتمية. - البلاء كقنطرة للفرج والنصر الإلهي:
إن الله تبارك وتعالى، بحكمته البالغة، لا يقصم ظهور الطغاة إلا بعد تمهّل ورخاء يفتنون به، فيطغون ويبغون، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وكما أن الله لم يجبر كسر عظم أمة من الأمم إلا بعد بلاء ومحنة وتصفية، فإن أمتنا التي عانت الأمرين تحت وطأة الطواغيت – كما رأينا في عقود من طغيان صدام وأمثاله – ستجبر ببركة ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة. إن المحن التي نعيشها اليوم هي المخاض الضروري الذي يسبق ولادة فجر العدالة العالمية، وهي عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. - العبرة من الخطوب والابتلاءات المعاصرة:
يا أيها الناس، إن في ما استقبلتم من خطوب معتبرة، ومن حروب وفقر ومشاكل، عبرةً كافية لمن أراد أن يعتبر. إن هذه التنبيهات الإلهية تجري عليكم كما جرت على من كان قبلكم، والمشكلة هي أن «ما كل ذي قلب بلبيب، ولا كل ذي سمع يسمع». فليس كل من امتلك عيناً أبصر الحقائق، وليس كل من امتلك أذناً أطاع نداء السماء. لذا، يجب علينا إحسان النظر في ما ينفعنا، وتتبع آثار الإمام، ومعرفة الممهدات التي تسبق ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة، فهذا هو العلم النافع حقاً.
زوال القصور وعبرة التاريخ في فناء الطغيان
- أرصات الظالمين وفناء القصور المنيعة:
انظروا وتدبروا في أرصات من قاده الله بعلمه من الجبابرة، أولئك الذين ساروا على سنة آل فرعون، فكانوا أصحاب جنات وعيون وزروع ومقام كريم. أين هم الآن؟ أين الفينيقيون في لبنان؟ وأين الأكاسرة في المدائن بقصورهم العظيمة؟ لقد تركوا وراءهم كل ذلك النعيم وصاروا حطاماً تذروه الرياح. إن قضية ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة ستعيد للذاكرة تلك العبر، فكل من حصن مسكنه وجعل الحرس على أبوابه، ووضع سبعين حجاباً دون غرفه المذهبة، لم يغنِ عنه ذلك من الله شيئاً. - التفكير الفرعوني والتحول نحو العدل المهدوي:
إن النمط الفكري للبشر، عندما يغرقون في المادة، يميل نحو الجمع والادخار وبناء القصور الفارهة، ظناً منهم أن هذا هو الخلود، تماماً كما فكر قارون وفرعون. لكن ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة سيأتي لينهي هذا التفكير الطاغوتي المستعلي. الإمام هو وارث الأئمة الذين عاشوا ببساطة مطلقة؛ انظروا للإمام موسى بن جعفر عليه السلام في بغداد، كان ملك السماوات والأرض، ومع ذلك كان يدخل عليه الناس بلا حاجب ولا بواب، لأن العظمة الحقيقية في صلة العبد بخالقه لا في عدد الحراس. - حتمية سقوط الحجابات وبساطة الحكم الإلهي:
إن تلك الغرف التي كانت لا تدوسها قدم، والتي كان الحرس الشداد يحيطون بها من كل جانب، ستصبح يوماً مزاراً للرياح وللمؤمنين، ولن يبقى عليها حجاب. إن سنة الله في كل جبار أن يذله في عقر داره. وعندما يتحقق ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة، ستتغير موازين القوى، وتصبح الأرض للمستضعفين الذين صبروا. إن هذه الحجابات التي ترونها اليوم ما هي إلا أوهام ستتبدد أمام صولة الحق المهدوي، حيث لا يبقى مكان للسرور الزائف المبني على أنين المظلومين. - دعوة للممهد باليقظة من غفلة المترفين:
أنت أيها المؤمن، بصفتك من الممهدين لهذا الفرج، وباعتبارك طالباً لآثار الحق، يجب أن توقظ نفسك من سبات الغفلة. لا تتبع سنن الجبابرة في تفكيرك، ولا يكن همك جمع الحطام والرفاه الزائل والقصور الكاذبة. إن أمير المؤمنين عليه السلام يأمرنا بالصبر على هذه الحياة المهدوية الشريفة. لا تستعجل القصور، ولا تغرك الرحلات والامتيازات التي يرفل بها الفراعنة، بل كن عبداً لله حقاً، واجعل همك الوحيد هو تنفيذ أمر مولاك وتحقيق التقوى في نفسك وفي مجتمعك.
النتيجة
إن الخلاصة التي يجب أن نخرج بها هي أن العاقبة في الجنان محجوزة لمن صبر واتقى، واتبع نهج آل محمد في الرخاء والشدة. إننا نترقب بيقين ذلك اليوم العظيم، يوم ظهور الإمام المهدي وإبادة الجبابرة، حيث تنتهي سطوة الظلم ويشرق عدل الله. إن الحجاب الذي يحتمي به الظالم اليوم قد يكون هو القبر الذي يدفن فيه غداً، أما المؤمن فحصنه ولاية أهل البيت. فلنكن على أتم الاستعداد لنصرة إمامنا، صابرين على محن الزمان، حتى يفتح الله لنا فتحاً مبيناً ويجعلنا من خاصته المقربين.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”