شمس لاتغيب؛ لا خير في العيش بعد المهدي
الحلقة السادسة والاربعون:
ضرورة الجزع لغيبة المهدي وأسباب تفشي الفساد
إن كلمة رسول الله صلى الله عليه وآله تضيء لنا حقيقة العيش ومعناه، حيث يقول: «لا خير في العيش بعد المهدي». هذه الجملة ليست مجرد إخبار عن نهاية حقبة، بل هي ميزان لحياة الأمم. فالإمام المهدي، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا، هو غاية الرجاء، كما روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لطول الله تلك الليلة حتى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما».
إن دولة الإمام هي دولة الله التي لا ينتظر بعدها نظام أرفع أو أعدل، ولهذا، بعدها لا يبقى للعيش قيمة. نحن ندرك الآن جمال هذه الكلمة وصدقها، فالخسارة الحقيقية تبدأ بفقدان هذا الأصل العظيم. إن الأمة اليوم في سكر وسنة وغفلة ونوم، لا تدري ما معنى ولاية الإمام المهدي، ولا تشعر بمرارة فقدانه.
غياب الإمام وغفلة الأمة عن الجزع لغيبة المهدي
- وصف حال الأمة بالغفلة والسفاهة:
أين نحن من هذه الحقيقة؟ الأمة اليوم في سكر وسنة وغفلة ونوم. إن عدم شعورنا بنقص وجوده الآن، لا يعني أن لا خسارة. بل الخسارة فادحة، ولهذا وصف أمير المؤمنين عليه السلام حالنا بأنه لو جلسنا من الصبح إلى الليل نحثو الرماد على رؤوسنا إلى يوم القيامة، لكان حالنا أخف مما نحن فيه. أي خسارة هذه التي لا تعوض ببناء برج أو صناعة دواء أو نيل شهادة؟ كل عمل تلهث خلفه الأمة يبقى في حسرة ما دام الأصل مفقودا. إن غياب الجزع لغيبة المهدي هو أبعد ما يكون عن فهم المصيبة، وهو الدليل على أننا لا نعيش حياة فيها خير؛ فبالحقيقة لا خير في العيش بعد المهدي. - تأييد الطاغية نتيجة لغياب الجزع:
إن حال الذي لا يتأسف ولا يبكي ولا يندب على الإمام أشد تعاسة من حال من يثار عليه الغبار كل يوم؛ فالغافل لا يشعر بمرارة الفقد. هذا الغياب عن الجزع لغيبة المهدي هو الذي يجعل جماعات من السفهاء والأراذل تلعب بنا لعب الكرة. فحين لا تصرخ ولا تعترض على الطاغية المتجبر، تصبح مصفقا له، وتقود البلد إلى الهاوية. لو كان في قلوب الناس جزع وأسف على فوات حكم الإمام، لكان حالهم خيرا. إن الأموال المنهوبة في دول كإيران والعراق تبين أنها كان يمكن أن تكون من دول الإمام المهدي لو كانوا أهل حزن وندم وصرخة. فإن لم تندموا ولم تصيحوا، صرتم حثالة تذهب إلى صناديق الاقتراع لتنصب دابة فوق دابة، وتلهث خلف رئيس جمهورية أو رئيس وزراء لا يقدم سوى السفه والوعود.
الجاهلية الثانية وواقع الحضارة الفاسدة
- الخسارة في الإعراض عن مصدر الخير الوحيد:
إن هذا السفه يوصل إلى أن تكون الأمة سفيهة معرضة عن مصدر الخير الوحيد لها. الشفاء والخلق والحياة بيد الإمام، ولكن الأمة لا تبالي، بل تبني الأنظمة فوق الأنظمة، وتلهث خلف السياسة والمال وتتفاخر بصناعة الأبراج! هذا ما جعلنا ندخل فيما يسمى “الجاهلية الثانية الحقيرة التعيسة“. نحن اليوم في جاهلية أشد بؤسا من سابقتها. النحل حاله أفضل من حال البشر الذين تركوا قائدهم وإمامهم ولم يحزنوا على فقده. النحل ينتج عسلا، ونحن ننتج عمارة دنيا فاسدة فاشلة. التكنولوجيا القذرة التي نفرح بها لم تنتج عقلا ولا وعيا ولا رجالا، بل أوصلتنا إلى العيش في مخيم من الأوهام والدعاية، وصارت حياتنا مجرد أحلام صبيان. - الحضارة بلا قيم تجر أكبر الفساد:
انظر إلى مثال الحضارة الفاسدة: في أفغانستان القديمة كان اغتصاب المرأة القسري مصيبة تدخل أهلها في حزن وفزع. أما اليوم، بعد أن جاءتهم “الحضارة” والتكنولوجيا، صارت الفتاة تذهب بنفسها إلى البغاء والفاحشة، وأهلها ساكتون راضون! هذا الاغتصاب باسم الحضارة أشد وأنكى. الحضارة حين تعمم بلا قيم تجر على الناس أكبر الفساد. ومادام الإمام المهدي غير متصد للحكم وغير قائم على إصلاح شؤون الأمة، فماذا نربح؟ أيدينا ممنوعة من يده، ووجوهنا محجوبة عن وجهه، وبركاته محجوبة عنا. لو كانت رايته منشورة لرأينا الفيض والفضل والرحمة.
المصلح المفقود وفساد حياتنا اليومية
- فساد الحياة وغياب الرشد والهداية:
الفساد اليوم عم كل المجتمع: من فساد الأمهات والتربية إلى فساد الأعمال والنتائج والعبادات. حتى طعامنا وشرابنا وحياتنا كلها بلا مصلح يرشد ويهدي. أنت تفكر فقط في أن تأكل وتشبع وتظن أن الشبع هو الخير، بينما هذا الطعام قد يكون طريق الحتف والسرطان. كل شيء يحتاج إلى المصلح المفقود: حياتنا الاجتماعية، عباداتنا، إنتاجاتنا. غيابه يجعل كل الجهود تنتهي إلى تباه بلا ثمرة. إن أعمارنا تنتهي عند الستين والسبعين، بينما خلق عمر الإنسان ليمتد إلى ألف سنة وألفين. لكننا نخسر مئات السنين لأننا نعيش في وهم الحضارة ولا نبالي، وهذا ما يؤكد لنا أنه لا خير في العيش بعد المهدي. - المهدي وحده مصلح الدنيا والآخرة:
المصلح المفقود وحده هو الذي ينعم نومتنا في القبر ويجمع لنا ثواب الدنيا والآخرة، وهو غير موجود. نحن نعيش جاهلية مغلفة بالحضارة، سحر أعين الناس فصدقوا أنهم يعيشون رفاه وهناء، بينما الأطباء قصابون منزوعو الرحمة، وصداقاتهم عداوات. هذا استدراج من الله، يفرحون بهذا “العسل” الذي هو سم زعاف. الفساد مستشر في كل ذواتنا، والدنيا الفانية مبنية على أحلام الصبيان. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا خير في العيش بعده». من يذوق حلاوة وجود الإمام المهدي ثم يفقده، يفهم أن الحياة بلا إمام شر كلها، والموت رحمة.
النتيجة
إن غياب الجزع لغيبة المهدي قد أوصل الأمة إلى الجاهلية الثانية، حيث الفساد مستشر في كل شيء. ولا صلاح لحياتنا، لا دنيا ولا آخرة، إلا بعودة هذا المصلح المفقود. على المؤمن أن يستيقظ من سكر الحضارة الزائفة ويعالج فساده الداخلي، وأن يقرأ دعاء الغريق: «يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقرب البعيد، يا مغيث المستغيثين…»؛ لأنه في الحقيقة لا خير في العيش بعد المهدي لمن عرف قيمته.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”